السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١٤٣ - باب ذكر رضاعه
«ثم قال الثاني منهم لصاحبه تنح عنه، فنحاه عني، ثم أدخل يده في جوفي، فأخرج قلبي و أنا أنظر إليه فصدعه ثم أخرج منه مضغة سوداء» تقدم التعبير عنها بالعلقة السوداء «ثم رمى بها، ثم قال بيده يمنة منه كأنه يتناول شيئا، و إذا بخاتم في يده من نور يحار الناظرون دونه فختم به قلبي» أي بعد التئام شقه «فامتلأ نورا و ذلك نور النبوة و الحكمة» و قد تقدم «و ملأه حكمة و إيمانا» و إن السكينة ذرت فيه ثم أعاده مكانه فوجدت برد الخاتم في قلبي دهرا، و في رواية «فأنا الساعة أجد برد الخاتم في عروقي و مفاصلي».
أقول: نقل شيخ بعض مشايخنا الشيخ نجم الدين الغيطي عن مغازي بن عائذ في حديثه (صلى اللّه عليه و سلم) لأخي بني عامر «و أقبل أي الملك و في يده خاتم له شعاع فوضعه بين كتفيه و ثدييه» فليتأمل، و قوله «فصدعه» يدل بظاهره على أن صدعه كان بيد الملك، فلم يشقه بآلة، و حينئذ يكون المراد بالشق الصدع بلا آلة. و قد طوى في هذه الرواية ذكر ملء قلبه حكمة و إيمانا، و أنه ذرّ فيه السكينة. و ذكر في هذه الرواية أن الختم كان لقلبه (صلى اللّه عليه و سلم)، و في الرواية قبلها «أنه كان بين كتفيه» و في رواية ابن عائذ «و بين ثدييه» و يحتاج إلى الجمع. و الظاهر أن متعاطي الختم جبريل، و يدل عليه قول صاحب الهمزية (رحمه اللّه) في هذه القصة ختمته يمنى الأمين. و سيأتي التصريح بذلك لكن في غيره هذه القصة و اللّه أعلم. قال (صلى اللّه عليه و سلم): «ثم قال الثالث لصاحبه تنحّ عنه فنحاه عني فأمرّ يده ما بين مفرق صدري إلى منتهى عانتي، فالتأم ذلك الشق بإذن اللّه تعالى، و ختم عليه» و في رواية «قال أحدهما للآخر خطه فخاطه و ختم عليه».
أقول: و قد يقال معنى خطه ألحمه، فخاطه «أي لحمه» أي مرّ بيده عليه فالتحم أي فلا يخالف ما سبق، و لا ينافيه ما في الحديث الصحيح أنهم كانوا يرون أثر المخيط في صدره (صلى اللّه عليه و سلم)، لجواز أن يكون المراد يرون أثرا كأثر المخيط في صدره (صلى اللّه عليه و سلم) و هو أثر مرور يد جبريل عليه الصلاة و السلام، و هذا طوى ذكره في الروايات السابقة، و قوله ختم عليه يقتضي أن الختم كان في صدره (صلى اللّه عليه و سلم) و هو الموافق لما تقدم عن ابن عائذ أنه بين ثدييه لكنه زاد بين كتفيه، و تقدم أن الختم كان بقلبه.
و قد يقال في الجمع، لا مانع من تعدد الختم في المحال المذكورة أي في قلبه و صدره و بين كتفيه، فختم القلب لحفظ ما فيه، و ختم الصدر و بين الكتفين مبالغة في حفظ ذلك لأن الصدر وعاؤه القريب، و جسده وعاؤه البعيد، و خص بين الكتفين لأنه أقرب إلى القلب من بقية الجسد، و لعله أولى من جواب القاضي عياض (رحمه اللّه) بأن الذي بين كتفيه هو أثر ذلك الختم الذي كان في صدره، إذ هو خلاف الظاهر من قوله: «و جعل الخاتم بين كتفيّ» و فيه السكوت عن ختم قلبه، و لا يحسن أن يراد بالصدر القلب من باب تسمية الحالّ باسم محله، لأنه يصير ساكتا عن ختم الصدر.