السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١٤٤ - باب ذكر رضاعه
و أولى من جواب الحافظ ابن حجر (رحمه اللّه) أيضا بأنه يجوز أن يكون الختم لقلبه ظهر من وراء ظهره عند كتفه الأيسر، لأن القلب في ذلك الجانب لما علمت، و فيهما أن الذي عند الأيسر خاتم النبوة: أي الذي هو علامة على النبوة الذي ولد (صلى اللّه عليه و سلم) به على ما هو الصحيح.
و في الخصائص الصغرى: و خص (صلى اللّه عليه و سلم) بجعل خاتم النبوة بظهره بإزاء قلبه حيث يدخل الشيطان لغيره و سائر الأنبياء كلهم كان الخاتم في يمينهم.
أي فقد أخرج الحاكم في المستدرك عن وهب بن منبه قال: «لم يبعث اللّه نبيا إلا و قد كان عليه شامات النبوة في يده اليمنى إلا نبينا (صلى اللّه عليه و سلم) فإن شامة النبوة كانت بين كتفيه» هذا كلامه، و لم أقف على بيان تلك الشامات التي كانت للأنبياء ما هي.
و كتب الشهاب القسطلاني على هامش الخصائص قوله: «و جعل خاتم النبوة بظهره الخ» مشكل إذ مفهومه أن موضع الدخول لقلوب الأنبياء غير نبينا لم يختم، و لا يخفى ما فيه من المحظور، فما أشنعها من عبارة و أخطأها من إشارة، هذا كلامه.
و لك أن تقول: المراد بغيره في قوله حيث يدخل الشيطان لغيره من غير الأنبياء، لما علم و تقرر في النفوس من عصمة الأنبياء من الشيطان و اختص نبينا (صلى اللّه عليه و سلم) من بين سائر الأنبياء عليهم الصلاة و السلام بالختم في المحل المذكور مبالغة في حفظه من الشيطان و قطع أطماعه فليتأمل.
لا يقال: كل من جواب القاضي و الحافظ ابن حجر يجوز أن يكون مبنيا على أن خاتم النبوة هو أثر هذا الختم، و هو موافق لما تمسك به القائل بأن خاتم النبوة لم يولد به، و إنما حدث بعد الولادة.
لأنا نقول: على تسليم أنه حدث بعد الولادة فقد وجد عقبها، فعن أبي نعيم في الدلائل أنه (صلى اللّه عليه و سلم) لما ولد ذكرت أمه أن الملك غمسه في الماء الذي أنبعه ثلاث غمسات، ثم أخرج صرة من حرير أبيض فإذا فيها خاتم فضرب على كتفه كالبيضة المكنونة، و بذلك يعلم أن خاتم النبوة ليس أثرا لهذا الخاتم.
و كلام السهيلي يقتضي أنه هو حيث قال: إن هذا الحديث الذي في شق صدره في الرضاعة فيه فائدة من تبيين العلم، و ذلك أن خاتم النبوة لم يدر أنه خلق به أو وضع فيه بعد ما ولد، أو حين نبئ، فبين في هذا الحديث متى وضع و كيف وضع و من وضعه زادنا اللّه تعالى علما، و أوزعنا شكر ما علم هذا كلامه.
ثم رأيت عن الحافظ ابن حجر ما يوافقه حيث قال: و مقتضى الأحاديث التي فيها شق الصدر و وضع الخاتم أنه لم يكن موجودا حين ولادته، و إنما كان أول