الفصول المهمة في معرفة الائمة - المالكي المكي، علي بن محمد بن أحمد - الصفحة ٥٩٩
يستوحش من الدنيا وزهرتها ويأنس بالليل ووحشته ، وكان غزير العبرة [۱] طويل الفكرة ، [يقلّب كفّه ويخاطب نفسه ويناجي ربّه ]يعجبه من اللباس ما خشن ومن الطعام ما جشب ، وكان فينا كأحدنا ، يجيبنا إذا سألناه ويأتينا إذا دعوناه ، ونحن واللّه مع تقريبه [۲] لنا وقربه منّا لا نكاد نكلّمه هيبةً له ، ويعظّم أهل الدين ويقرّب المساكين ، ولا يطمع القويّ في باطله ولا ييأس الضعيف من عدله . وأشهد [۳] لقد رأيته في بعض مواقفه ، وقد أرخى الليل سدوله وغارت نجومه [وهو قائم في محرابه ]قابضا على لحيته يتململ تململ السليم ويبكي بكاء الحزين ، ويقول : يا دنيا غرّي غيري ، أبي [۴] تعرّضت أم إليَّ تشوّقت ، هيهات هيهات طلّقتك [۵] ثلاثا لارجعة فيها ، فعمرك قصير وخطرك كثير [۶] وعيشك حقير . آه من قلّة الزاد وبُعد السفر ووحشة الطريق . فبكى معاوية وقال : رحم اللّه أبا الحسن ، لقد كان واللّه كذلك ، فكيف [۷] حزنك عليه يا ضرار ؟ فقال : حزن من ذُبح ولدها في حِجرها ، فهي لا يرقى دمعها [۸] ولا يخفى فجعها [۹] [۱۰] .
[۱] في (أ) الدمعة .
[۲] في (د) : تقرّبه .
[۳] في (ج) : فأشهد .
[۴] في (أ) : إليَّ .
[۵] في (ج) : قد بتتك .
[۶] في (أ) : كبير .
[۷] في (ج) : فما .
[۸] في (ب ، د) : ترقأ عبرتها .
[۹] في (ب ، ج) : يسكن حزنها .
[۱۰] لقد استعمل معاوية أخبث المكائد بعد تسلّطه على الكوفة وسيطرته على أصحاب عليّ عليه السلام فسعى أن يجلبهم إلى الشام بشتّى الوسائل من دعوات ودّية تارةً وهروب من ظلم عمّاله تارةً اُخرى وبتهديد تارةً ثالثة . . . ثمّ يحضرهم في مجالسه الغاصّة بالرجال واللهو والطرب تارةً ورابعة حتّى ينالوا من عليّ عليه السلام بكلمة أو تهمة فيستفيد من هذا التأييد سياسته ، وممّن وقع في حباله ضرار بن ضمرة ، ولكن قوة الإيمان دفعته أن يصف إمامه بتلك الكلمات البالغة في الخطورة من نواحٍ شتّى ، وقال ذلك على ما روى السيّد الرضي رحمه اللهفي النهج وباقي شروحه وتحقيقه من أمثال الفيض : ۱۱۰۸ الكلمات القصار ۷۴ ، وابن أبي الحديد في شرحه : ۱۸ / ۲۲۴ ، وصبحى الصالح : ۴۸۰ تحت رقم ۷۷ ، وأمالي الشيخ الصدوق : ۳۷۱ ، وأمالي القالي : ۲ / ۱۴۳ ، ومروج الذهب : ۳ / ۴۳۳ ، وحلية الأولياء : ۱ / ۸۴ ، وكنز الفوائد : ۲۷۰ ، والاستيعاب : ۳ / ۴۲ ، وزهر الآداب : ۱ / ۴۰ ، وتذكرة الخواص : ۱۱۸ ، وكشف الغمّة : ۱ / ۷۶ ، وتنبيه الخاطر : ۷۰ ، والمستطرف للأبشيهي : ۱ / ۱۳۷ . واُنظر في ظلال شرح النهج : رقم ۷۵ ، وشرح النهج للعلاّمة الخوئي : ۷۳ ، وشرح النهج لمحمّد عبده : ۷۷ ، وشرح النهج لملاّ فتح اللّه : ۷۲ ، وشرح النهج لملاّ صالح : ۷۴ ، وشرح النهج لابن ميثم : ۶۹ لتجد بعض الاختلاف البسيط . وانظر كذلك كشف اليقين : ۱۱۶ ، إرشاد الديلمي : ۲ / ۲۱۸ ، إحقاق الحقّ : ۸ / ۵۹۸ ، البحار : ۴۱ / ۱۴ ـ ۱۵ نقلاً عن أمالي الصدوق . واختلفوا أيضا في ضرار بن حمزة أو حمرة واختلفوا أيضا الضبابي أو الضبائي أو الصدائي أو الصدي كما في ينابيع المودّة : ۲ / ۱۸۸ ط اُسوة فراجع المصادر السابقة ، والصحيح هو الضبابي . ومعاوية أيضا سأل عديّ بن حاتم الطائي فأجاب مثل جواب ضرار مع اختلاف بعض الألفاظ ، وقال له اخيرا : كيف صبرك عنه ؟ قال : كصبر من ذُبح وَلدها في حجرها ، فهي لا ترقأ دمعها ولاتسكن عبرتها . قال : فكيف ذكرك له ؟ قال : هل يتركني الدهر أن أنساه ؟ {۰ طلّق الدنيا ثلاثا واتّخذ زوجا سواها ۰} {۰ إنها زوجة سوء لاتبالي من أتاها ۰} انظر هذا في المناقب لابن شهرآشوب : ۲ / ۱۰۳ ، وسفينة البحار : ۲ / ۱۷۰ مادّة «عدي» وذخائر العقبى : ۱۰۰ ، المحاسن والمساوئ للبيهقي : ۲ / ۷۲ ، مصادر نهج البلاغة : ۲۶۴ ، قصة ضرار بن حمزة في كنز الفوائد : ۲ / ۱۶۰ للشيخ الكراجكي الطرابلسي تحقيق الشيخ عبداللّه نعمة ، دار الأضواء بيروت ، وذكر «الكندي» خلافا للمصادر السابقة الذكر مع إختلاف يسير في بعض الألفاظ ، وكذلك في الفضائل الخمسة : ۳ / ۲۷ لكنه ذكر «الكناني» نقلاً عن حلية الأولياء : ۱ / ۸۴ ، وانظر الرياض النضرة : ۲ / ۱۲ .