الفصول المهمة في معرفة الائمة - المالكي المكي، علي بن محمد بن أحمد - الصفحة ٥٣
طالب صلوات اللّه عليه فأذكره ؟ قال : لا ، إلاّ أنْ تراه في قعر الجحيم [۱] . فلمّا لم يجد الزهري عليّا في قعر الجحيم لم يورد له ذكرا في مغازيه ! قال معمر : كان عند الزهري حديثان عن عروة ، عن عائشة في عليّ عليه السلام ، فسألته عنهما يوما، فقال: ما تصنع بهما وبحديثهما؟ اللّه أعلم بهما،إنّي لأ تّهمهما في بني هاشم [۲] . كان الزهري أكثر إنصافا لحقائق التاريخ من عروة ، ومرّة اُخرى يبدو الزهري أكثر إنصافا من آخرين ممّن عاصروه حين يوجّه الطعن التاريخ الّذي كان يكتب على عيون بني اُميّة . قال معمر : سألت الزهري عن كاتب الكتاب يوم الحديبية ؟ فضحك وقال : هو عليّ بن أبي طالب ، ولو سألت هؤلاء ـ يعني بني اُميّة ـ لقالوا : عثمان ! ! . لا شكّ أنّ الخبرين المذكورين قد حفظا للزهري موقفا فريدا ، إذ نزّه قلمه فيهما عن لونين من ألوان اغتصاب الحقيقة التاريخية ، فأبى أن يسوق أحاديث عَلِمَ أ نّها وضعت للنيل من عليّ عليه السلام وبني هاشم،كما أبى أن يسلبهم حقّهم ليمنه آخرين من غيرهم. تجنّب الزهري شيئا من أخبار شيخه عروة حين اتّهمه في بني هاشم ، وهذه فضيله يحفظها له التاريخ ، وفي مقابل ذلك أعرض عن ذكر سِيَر عليّ عليه السلام ومناقبه إرضاءً لبني اُميّة ، وهذه حفظها له بنو اُميّة ! وربّما ظنّ أ نّه قَد سلك مسلكا وسطا ، فلا هو أرضاهم في النيل من عليّ عليه السلام وبني هاشم ، ولا هو أسخطهم بذكر سِيَر عليّ عليه السلام وبني هاشم . وبهذا نجح الزهري فكان ذا حظٍّ عند الاُمويّين لايقدّمون عليه أحدا حتّى توفّي ، ولكن لم يأت هذا النجاح إلاّ بما هدره من حقائق الدين والتاريخ الّتي لو أظهرها لكان الزهري عندهم غير الزهري !
[۱] الأغاني ۲۲ / ۱۵ من رواية المدائني .
[۲] شرح النهج لابن أبي الحديد : ۴ / ۶۴ .