الفصول المهمة في معرفة الائمة - المالكي المكي، علي بن محمد بن أحمد - الصفحة ٤٢١
وأتى على ابنه محمّد وهو صريع فوقف عليه وقال : هذا رجل قتله برّه بأبيه [۱] . وصلّى عليّ عليه السلام على جميع القتلى من أهل البصرة والكوفة وغيرهم وأمر فدُفنت الأطراف [۲] جميعا في قبر عظيم وجمع ما في العسكرين من سلاح وثياب وطرح في المسجد وقال : من عرف شيئا فليأخذه إلاّ سلاحا في الخزائن [كان ]عليه سمة السلطان [۳] . ولمّا فرغ عليّ عليه السلام من الواقعه أتاه [۴] الأحنف بن قيس [۵] في بني سعد يهنّونه
[۱] تقدّمت تخريجاته بالاضافة إلى ابن قتيبة في الإمامة والسياسة : ۱ / ۹۸ .
[۲] ذكر ابن أعثم في الفتوح : ۱/۴۸۷ أنّ عدد الأطراف الّتي قطعت على الخطام يومئذٍ ثماني وتسعون يدا .
[۳] انظر تاريخ الطبري : ۳ / ۵۴۲ باختلاف يسير ، انظر الخراج لأبي يوسف : ۲۱۵ ، السنن الكبرى : ۸ / ۱۸۰ شرح النهج لابن أبي الحديد : ۱ / ۲۳ وانظر جورج جرداق في كتابه الإمام عليّ صوت العدالة الإنسانية : ۱ / ۸۲ ، ومستدرك الوسائل : ۲ / ۲۵۱ ـ ۲۵۲ لتجد سيرته عليه السلام مع معارضيه .
[۴] في (أ) : أتى .
[۵] هو أبو بحر الضحّاك ، وقيل : صخر بن قيس بن معاوية بن حصين أو حصن بن عبّاد بن مُرة بن عبيد ، المعروف بالأحنف التميمي السعدي اُمّه امرأة من باهلة . سمّي بالأحنف لحنف كان في رجله ، فإنّه كان يطأ على ظهرها ، أسلم في عهد النبىّ صلى الله عليه و آله ولم يره ، وكان سيّد قومه موصوفا بالعقل والدهاء والعلم والحلم . شهد بعض الفتوح في زمن عمر وعثمان . واعتزل الجمل وشهد صفّين مع عليّ عليه السلام ولمّا بايع معاوية ليزيد تكلم الناس في مدحه ، فقال له معاوية : ما بالك لا تقول يا أبا بحر ؟ فقال : أخاف اللّه إن كذبت ، وأخافكم إن صدقت . وخرج مع مصعب بن الزبير إلى الكوفة ومات بها سنة (۶۷ ه) على الأشهر {*} عن ثمانين سنة ودُفن عند قبر زياد بالثوبة ـ موضع بظاهر الكوفة ـ وقيل : ولد الأحنف ملتصق الأليتين ، حتّى شُقّ ما بينهما ، وكان الأحنف أعور . انظر ترجمته في الاستيعاب : ۱ / ۵۶ الترجمة رقم ۱۶۰ ، اُسد الغابة : ۱ / ۵۵ ، وفيات الأعيان : ۱ / ۱۸۶ ـ ۱۹۲ الترجمة رقم ۲۸۲ ، المعارف لابن قتيبة تحقيق ثروة عكاشة : ۴۲۳ . ومن الجدير ذكره أنّ الإمام عليّ عليه السلام بعث إلى الأحنف بن قيس عندما وصل جند المرأة إلى حفر أبي موسى الأشعري ـ وهو مياه عذبة على جادة البصرة إلى مكة حفره أبو موسى الأشعري . بينه وبين البصرة خمس ليال كما ذكر صاحب معجم البلدان ـ فقال له : إنّ هؤلاء القوم قدموا علينا ومعهم زوجة رسول اللّه ، والناس إليها سراع كما ترى . فقال الأحنف : إنّهم جاؤوك للطلب بدم عثمان ، وهم الّذين ألّبوا على عثمان الناس وسفكوا دمه ، أراهم واللّه لا يزايلونا حتّى يلقوا العداوة بيننا ، ويسفكوا دماءنا ، وأظنّهم واللّه سيركبون منك خاصّة مالا قبل لك به إن لم تتأهّب لهم بالنهوض إليهم في مَن معك من أهل البصرة ، فإنّك اليوم الوالي عليهم ، وأنت فيهم مطاع ، فسر إليهم بالناس وبادرهم قبل أن يكونوا معك في دار واحدة ، فيكون الناس لهم أطوع منهم لك . وقال ابن أعثم في الفتوح : ۱ / ۴۶۰ : إنّهم ـ طلحة والزبير وعائشة ـ بعثوا إلى الأحنف بن قيس فدعوه وقالوا : إننا نريد منك أن تنصرنا على دم عثمان بن عفان ، فإنّه قُتل مظلوما ، قال : فالتفت الأحنف إلى عائشة وقال : يا اُمّ المؤمنين ! اُنشدك اللّه أما قلتِ لي ذلك اليوم إن قتل عثمان فمن اُبايع ؟ قلت : عليّ بن أبي طالب ؟ فقالت عائشة : قد كان ذلك يا أحنف ، ولكن هاهنا اُمور نحن بها أعلم منك ، فقال الأحنف : لا واللّه لا اُقاتل عليّ بن أبي طالب أبدا ، وهو أخو رسول اللّه صلى الله عليه و آله وابن عمّه وزوج أبنته وأبو سبطيه وقد بايعه المهاجرون والأنصار . قال : ثمّ وثب الأحنف حتّى صار إلى ديار قومه من بنى تميم ، ثمّ نادى فيهم فاجتمع إليه أربعة الآف رجل ، فسار بهم حتّى نزل بهم على فرسخين من البصرة . وروى البيهقي في المحاسن والمساوى : ۱ / ۳۵ عن الحسن البصري أنّ الأحنف بن قيس قال لعائشة يوم الجمل : يا اُمّ المؤمنين هل عهد إليك رسول اللّه هذا المسير ؟ قالت : اللّهمّ لا ، قال : فهل وجدته في شيء من كتاب اللّه جلّ ذكره ؟ قالت : ما نقرأ إلاّ ما تقرأون قال : فهل رأيت رسول اللّه صلى الله عليه و آله استعان بشيء من نسائه إذا كان في قلّة والمشركون في كثرة ؟ قالت : اللّهمّ لا ، قال الأحنف : فاذا ما هو ذنبنا ؟ وفي رواية اُخرى انّه قال لها : يا اُمّ المؤمنين انّي سائلك ومغلظ لك في المسألة فلا تجدي عليَّ ، فقالت له : قل تسمع . قال : أعندك عهد من رسول اللّه صلى الله عليه و آله في خروجك هذا ؟ فقالت : لا . . . أعندك عهد منه صلى الله عليه و آله انّك معصومة من الخطأ ؟ قالت : لا . . . إلى أن أحرجها فقالت : إلى اللّه أشكو عقوق أبنائي . (انظر {*} الغدير : ۸ / ۹۹ وشرح النهج لابن أبي الحديد : ۲ / ۵۰۰ قريب منه) . وهنالك موقف آخر للأحنف بن قيس يذكره ابن أعثم في الفتوح : ۱/۴۶۵ ، قال : وأقبل الأحنف بن قيس في جماعة من قومه إلى عليّ عليه السلام فقال : يا أمير المؤمنين ! إنّ أهل البصرة يقولون بأنك إن ظفرت بهم غدا قتلت رجالهم وسبيت ذرّيتهم ونساءهم ، فقال له عليّ : ليس مثلي من يخاف هذا منه ، لأنّ هذا ما لا يحلّ إلاّ ممّن تولّى وكفر، وأهل البصرة قوم مسلمون، وسترى كيف يكون أمري وأمرهم، ولكن هل أنت معي فاعلم، فقال الأحنف : يا أمير المؤمنين ! اختر مني واحدة من اثنين ، إمّا أن أكون معك مع مائتى رجل من قومي ، وإمّا أن أردّ معك أربعة الآف سيف ، فقال عليّ عليه السلام لابل ردّهم عنّي ، فقال الأحنف : أفعل ذلك يا أمير المؤمنين ، ثمّ انصرف . (وانظر تاريخ الطبري : ۳ / ۵۱۰ ـ ۵۱۳ مع اختلاف يسير في اللفظ) . وموقف الأحنف هذا يذكّرنا بموقف ومواقف اُخرى لكن نذكر منها موقف لاهيان بن صيفي : روي أنّ الإمام عليّ عليه السلام ذهب إلى لاهيان بن صيفى ، وكان له صحبة . فقام الإمام على باب حجرته وقال له : كيف أنت يا أبا مسلم ؟ قال : بخير ، فقال الإمام : ألا تخرج معي إلى هؤلاء القوم فتعينني ؟ قال : إن خليلي عليه الصلاة والسلام وابن عمّك . عهد إليَّ إذا كانت فتنة بين المسلمين أن اتخذ سيفا من خشب ، فهذا سيفي فإن شئت خرجت به معك ، فقال الإمام : لا حاجة لنا فيك ولا في سيفك . ورجع من باب الحجرة ولم يدخل . (رواه أحمد والترمذي وحسّنه ابن ماجة ونعيم بن حمّاد ، وأورده ابن حجر في الإصابة ، وابن كثير في البداية ، والفتح الربّاني : ۲۳ / ۱۳۸ ، وجامع الترمذي : ۴ / ۴۹۰) . لم يكن الإمام عليّ عليه السلام بحاجة إلى هؤلاء ولكنه عليه السلام قام بهذا العمل من باب ان المقام مقام حجة والاختيار مفتوح دون أن يوجّه أيّ اتهام لأحد . ولكن السؤال الّذي يطرح نفسه هو : ما السبب الّذي دعا هؤلاء إلى الاعتزال ؟ هل هي فتوى أبو بكرة (نُفَيع بن الحارث) كما تطرّقنا إليها سابقا وأشرنا إلى مصادرها ؟ أم هنالك شيء آخر ؟ أم انّه عهد معهود مِن قِبل اللّه تعالى ورسوله صلى الله عليه و آله بأنّ الإمام عليه السلام يقاتل الناكثين والمارقين والقاسطين ؟ أم انّها الفتنة الّتي تكلّم عنها رسول اللّه صلى الله عليه و آله والإمام عليّ عليه السلام ؟ حيث ينقل ابن أبي الحديد في شرح النهج : ۱ / ۶۶۷ ، و : ۳ / ۲۷۷ ، وكنز العمّال : ۱۶ / ۱۸۳ ، و : ۱۱ / ۶۰۶ ، والبيان والتبيين للجاحظ : ۲ / ۱۱۲ ، وتاريخ اليعقوبي : ۲ / ۱۵۲ ، وصحيح مسلم : ۱۸ / ۱۱ ، وصحيح البخاري : ۴ / ۱۲۲ ، وفتح الباري : ۱۳ / ۵۶ ، والجامع : ۴ / ۵۲۸ ، والمستدرك : ۳ / ۱۱۹ ، والكامل في التاريخ : ۳ / ۱۲۲ و۲۳۱ ، والطبري في تاريخه : ۵ / ۱۹۸ ، وغيرهم كثير من الأحاديث في هذا المقام ، ولكننا نكتفي بذكر حديث واحد . روي عن عليّ عليه السلام أنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله قال له : إنّ اللّه قد كتب عليك جهاد المفتونين كما كتب عليَّ جهاد المشركين ، فقال عليّ : يا رسول اللّه ، ما هذه الفتنة الّتي كتب عليَّ فيها الجهاد ؟ قال : قوم يشهدون أن لا إله إلاّ اللّه وأني رسول اللّه ، وهم مخالفون للسنّة ، فقلت : يا رسول اللّه فعلام اُقاتلهم وهم يشهدون كما أشهد ؟ قال : على الإحداث في الدين ومخالفة الأمر ، فقلت : يا رسول اللّه ، إنك كنت وعدتني الشهادة فاسأل اللّه أن يجعلها لي بين يديك ، قال : فمن يقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين . . .(رواه وكيع في كنز العمّال : ۱۶ / ۱۸۳ ، وابن أبي الحديد في شرح النهج : ۳ / ۳۷۷ ، المناقب للخوارزمي : ۱۲۵ ، تاريخ ابن عساكر : ۳ / ۲۰۰ ط بيروت ، سير أعلام النبلاء للذهبي : ۳ / ۲۳۱ . ومن هذا وذاك جاءت فكرة الاعتزال الّتي بشّر بها أبو بكرة عندما قال : يا أحنف ارجع فإني سمعت رسول اللّه صلى الله عليه و آله يقول : إذا تواجه المسلمون بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار . . . ولذا نرى الاُستاذ سعيد حوى يعقّب على هذا الحديث في كتابه الأساس في السنّة : ۴ / ۱۷۱۱ فيقول : إنّ القتال مع عليّ بن أبي طالب كان حقا وصوابا ، ولكن أبو بكرة حمل حديثا ورد في غير الحالة الّتي قاتل فيها عليّ ، على حالة قتال عليّ للباغين . وهو فهم من أبي بكرة . ولكنه فهم في غير محلّة . . . كذلك ألتبس العنوان على الحارث بن حوط الليثي عندما دخل على أمير المؤمنين . فقال : يا أمير المؤمنين ما أرى طلحة والزبير وعائشة . أضحوا إلاّ على الحق . ولكن الإمام عليه السلام أجاب بقوله : يا حارث إنك نظرت تحتك ولم تنظر فوقك ، إنّ الحقّ والباطل لا يُعرفان بالناس ، ولكن اعرف الحقّ باتباع من اتبعه ، والباطل باجتناب من اجتنبه . (انظر تاريخ اليعقوبي : ۲ / ۱۵۲ ، والبيان والتبيين : ۲ / ۱۱۲) . وعلّق الغزالي في كتابه المنقذ من الضلال على هذا القول فقال : العاقل من يقتدي بسيد العقلاء علي كرّم اللّه وجهه حيث قال : لا يُعرف الحقّ بالرجال ، اعرف الحق تعرف أهله .