الفصول المهمة في معرفة الائمة - المالكي المكي، علي بن محمد بن أحمد - الصفحة ٤٣٠
ثمّ إنّ عليا عليه السلام خرج بعسكره إلى النُخيلة [۱] واستنفر [۲] الناس للمسير إلى معاوية وقتال أهل الشام ، فبلغ ذلك معاوية فاستشار عمرو بن العاص [۳] فقال له : أمّا إذا سار إليك عليّ بنفسه فاخرج إليه بنفسك ولا تغب عنه برأيك ومكيدتك [۴] . فخرج معاوية وخرج معه عمرو بن العاص فكتبا الكتايب ، وعبّيا الجيوش ، وعقد معاوية لواءً لعمرو بن العاص ، ولواءً لابنيه محمّد وعبداللّه ولواءً لغلامه وردان ، وفي ذلك يقول [۵] :
[۱] انظر الفتوح لابن أعثم : ۱ / ۵۷۱ ، والإمامة والسياسة لابن قتيبة : ۱۲۰ ـ ۱۲۵ ، أعيان الشيعة : ۱ / ۴۷۵ ـ ۴۷۹ ، تاريخ الطبري : ۳ / ۵۶۳ .
[۲] في (أ) : واستقرّ .
[۳] أبو عبداللّه أو أبو محمّد عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم القرشي السهمي واُمه النابغة بنت حرملة ، سبيت من بنى جيلان بن عتيك ، وبيعت بعكاظ واشتراها الفاكه بن المغيرة ، ثمّ انتقلت إلى عبداللّه بن جدعان ومنه إلى العاص بن وائل ، فولدت له عمرا . أرسلته قريش إلى النجاشي ليغيّر رأيه على جعفر بن أبي طالب ومَن معه من المهاجرين إلى الحبشة ويسترجعهم إلى مكة فردّه النجاشي . أسلم سنة ثمان وقبل الفتح بستّة أشهر . وافتتح مصر لعمر ، ووليها إلى السنة الرابعة من خلافة عثمان ، فعزله عنها ، فأخذ يؤلّب عليه حتّى قُتل . ثمّ اشترك مع معاوية بصفين مطالبا بثأر عثمان وأشار برفع المصاحف للصلح فانخدع جيش عليّ وقبلوا الصلح وعيّنوا أبا موسى من قِبلهم ، وعيّن معاوية عمرا فغدر بأبي موسى وخلعا عليا ونصب عمرو معاوية وأخذ مصر طعمة من معاوية ووليها بعد قتل محمّد بن أبي بكر حتّى توفي سنة (۴۳ه) أو بعدها ودُفن هناك . راجع ترجمته في جمهرة أنساب العرب لابن حزم : ۱۵۴ ، وطبقات ابن سعد : ۷ / ق ۲ / ۱۸۸، المعارف لابن قتيبة : ۲۸۵ ، اُسد الغابة : ۴ / ۴۲۰ ، الكامل في التاريخ : ۲ / ۲۳۲ ، البداية والنهاية : ۴/۲۷۵ ، شرح النهج لابن أبي الحديد : ۱ / ۲۰ و ۸ / ۵۳ ، مقاتل الطالبيين : ۴۴ ، الإرشاد : ۱ / ۱۸ ـ ۲۲ .
[۴] انظر تاريخ الطبري : ۳ / ۵۶۲ مع اختلاف يسير في اللفظ .
[۵] انظر تاريخ الطبري : ۳ / ۵۶۲ وقد ذكر ابن أعثم في الفتوح : ۱ / ۵۲۱ كتاب معاوية بن أبي سفيان إلى عمرو بن العاص ، وعمرو يومئذٍ بفلسطين . وكذلك ذكر المحاورة الّتي جرت بين عمرو بن العاص وابنيه {*} عبداللّه ومحمّد . وقول عبداللّه : أمّا أنا فأقول : إنّ النبيّ صلى الله عليه و آله خرج من الدنيا وهو عنك راضٍ وكذلك الخليفتان من بعده : أبو بكر وعمر ، وأمّا عثمان فإنّه قُتل وأنت عنه غائب ، وقد وسّع اللّه عليك فاقعد في بيتك ، فإنّك لا تطمع أن تكون خليفة ، وليس ينبغي لك أن تكون حاشية معاوية على دنيا قليلة زائلة عن أهلها ، والسلام . وقال ابنه محمّد : أمّا أنا فأقول : إنّك شيخ قريش وصاحب أمرها ، وإنّ اضطراب هذا الأمر وأنت عنه غائب لصغر أمرك ويذهب قدرك ، فالحق بجماعة من أهل الشام فكن يدا من أيديها ، واطلب بدم عثمان بن عفان ، فلست أقلّ من معاوية . فأطرق عمرو ساعة ثمّ قال : أمّا أنت يا عبداللّه ، فأشرت عليَّ بما هو خيرٌ لي في دنياي وديني ، وأمّا أنت يا محمّد ، فأشرت عليّ بما هو خيرٌ لي في دنياي ، وسأنظر في ذلك . فلمّا جنّ عليه الليل رفع صوته وجعل يقول شعرا : {۰ تطاول ليلي للهموم الطوارق وخوف الّتي تبدي وجوه العوائق ۰} إلى آخر الابيات الّتي ذكرها اليعقوبي في تاريخه : ۲ / ۱۸۵ . ثمّ أدنى عمرو غلاما يقال له وردان ، فقال له : ارحل ياوردان ، فعبّى له الأثقال وترحّل ، فقال له عمرو : حطّ ياوردان ، فحطّ ، ثمّ قال : ارحل ياوردان ، فرحل ، فلم يزل عمرو يقول : ارحل وحطّ ، فقال له وردان : أبا عبداللّه ، ما شأنك ؟ أخولطت ؟ فقال عمرو : لا ، قال : فما قصتك ؟ مرّة تقول : ارحل ياوردان ، ومرّة تقول : حطّ ياوردان ! فقال عمرو : لا أدري ، قال وردان : لكني أدري ، واللّه أنت رجل قد اعترضت الدنيا والآخرة على قلبك ، فقلت : إنّ عليا معه آخرة بلا دنيا ، وفي الآخرة عوض من الدنيا ، ومعاوية معه دنيا بلا آخرة وليس في الدنيا عوض من الآخرة . . . فقال عمرو : للّه أبوك ياوردان ، ما أخطأت شيئا . . . . ولكن هات ما عندك من الرأي . فقال وردان : عندي واللّه من الرأي أن تجلس في بيتك . . . . فقال عمرو : ياوردان ، الآن أقعد في بيتي ، وقد سمعت العرب بتحريكي إلى معاوية ، ارحل ياوردان ، فرحل وردان وأنشأ عمرو يقول شعرا : {۰ يا قاتل اللّه وردانا وأربته أبدى لعمرك مافي الصدر وردان ۰} إلى آخر الأبيات كما أوردها اليعقوبي في تاريخه : ۲ / ۱۸۵ ، وابن أعثم في الفتوح : ۱ / ۵۲۲ هامش ۱ ، وانظر هذه المساجلات في وقعة صفين : ۳۴ ـ ۳۵ ـ ۳۸ و ۴۰ . ونقل ابن أبي الحديد في شرحه على النهج : ۱ / ۱۳۷ تعليق أبي القاسم البلخي على قول عمرو لوردان «دعنا عنك» كناية عن الإلحاد بل تصريح به . أي دع هذا الكلام الّذي لاأصل له فإنّ اعتقاد الآخرة وأنها لا تباع بعرض الدنيا من الخرافات . وقال رحمه الله : ومازال عمرو بن العاص ملحدا ما تردّد قطّ في الإلحاد والزندقة ، وكان معاوية مثله . ويكفي من تلاعبهما بالإسلام حديث السرار المروي ، وأنّ معاوية عضّ اُذن عمرو . أين هذا من أخلاق عليّ عليه السلام وشدّته في ذات اللّه ، وهما مع ذلك يعيبانه بالدعابة . ونقل ابن قتيبة في الإمامة والسياسة هذه المساجلات بين عمرو وابنيه وغلامه وكذلك مساومة عمرو بن العاص معاوية على مصر في : ۱ / ۱۱۲ وما بعدها . وقد علّق أبو عثمان الجاحظ على المساومة بقوله : كانت مصر في نفس عمرو بن العاص لأ نّه هو الّذي فتحها في سنة تسع عشرة من الهجرة في خلافة عمر ، فكان لعظمها في نفسه وجلالتها في صدره وما قد عرفه من أموالها وسعة الدنيا لا يستعظم أن يجعلها ثمنا من دينه . نقل هذا الكلام ابن أبي الحديد في شرح النهج : ۱ / ۱۳۸ ، وانظر مروج الذهب : ۲ / ۳۹۰ ، الكامل : ۳ / ۱۷۹ ، الطبري : ۶ / ۵۶ .