الفصول المهمة في معرفة الائمة - المالكي المكي، علي بن محمد بن أحمد - الصفحة ٤٠٢
ألفا ، فأرسل عليّ عليه السلام عشية اليوم الثالث من نزولهم عبداللّه بن عباس إلى طلحة والزبير بالسلام ، وأرسل طلحة والزبير إلى عليّ بالسلام ، وتردّدت الرسل بينهم في الصلح فتداعوا إليه ، وشاع ذلك في الفئتين فسرّ الناس بذلك وباتوا بليلة لم يبيتوا بمثلها من الفرح والسرور . ولمّا اشرفوا عليه من الصلح وبات الّذين أثاروا أمر عثمان بأسوأ ليلة لما رأوه ونظروه من تراسل القوم وتصافيهم ، فباتوا يتشاورون ليلتهم فأجمع رأيهم على إنشاب الحرب مع الفجر . [قال : ]فلمّا كان غلس الصبح ثاروا إلى أصحاب طلحة والزبير ، مضرهم إلى مضرهم ، وربيعتهم إلى ربيعتهم ، ووضعوا فيهم السلاح ، فثارت كلّ قبيلة إلى اُختها ، وقام الحرب بينهم وثبت القتال ، ولم يدر الناس كيف الأمر ولا كيف كان [۱] . فقام في الميمنة أصحاب [طلحة] عبد الرحمن بن الحارث [۲] ، وفي الميسرة عبدالرحمن [بن ]عتاب [۳] ، وفي القلب طلحة والزبير [۴] فقالوا لأصحابهم : كيف كان هذا الأمر ؟
[۱] سبق وأن أشرنا إلى ذلك ودور مروان في نشوب القتال ولا نريد تكراره هنا ، لكن المصنّف أخذ هذا الكلام من تاريخ الطبري : ۳ / ۵۱۷ ـ ۵۱۸ .
[۲] ذكر ذلك الطبري في تاريخه : ۳ / ۵۱۸ .
[۳] المصدر السابق . وعبدالرحمن بن عتاب بن اُسيد بن أبي العيص القرشي الاُموي اُمّه جويرية بنت أبي جهل ، وكان اسم سيفه «ولول» وقطعت يده وفيها خاتمه قالوا : فخطفها نسر ذلك اليوم وطرحها بالمدينه أو اليمامة فعرفت يده بخاتمة. (انظر الطبري: ۵/۲۱۰، اُسد الغابة: ۳/۳۰۸، نسب قريش: ۱۹۳).
[۴] المصدر السابق ولكنّه ذكر «وثبتنا في القلب» بدل «وفي القلب طلحة والزبير» وهذا يدلّ على أنّ طلحة والزبير هما يعبّئان الجيش . ولكن ابن أعثم في الفتوح : ۱ / ۴۶۳ قال : . . . فكانت الخيل كلّها إلى طلحة ، ورجّالة إلى عبداللّه بن الزبير ، وعلى خيل الميمنة مروان بن الحكم ، وعلى رجّالتها عبدالرحمن بن عتاب بن اُسيد ، وعلى خيل الميسرة هلال بن وكيع الدارمي ، وعلى رجّالتها حاتم بن بكير الباهلي ، وعلى الجناح عمر بن طلحة ، وعلى رجّالتها عبداللّه بن حكيم بن حزام ، وعلى خيل الكمين جندب بن يزيد المجاشعي ، وعلى رجّالتها مجاشع بن مسعود السلمي . وصاح رجل من بني ضبة : وطّنوا أنفسكم على الصبر . . . وأنشأ أبياتا مطلعها {۰ ألا قولا لطلحة والزبير وقولاً للذين هم النصار ۰} فقال له الزبير : بئس ما قلت يا أخا بني ضبة . . . وبلغ ذلك عليّ بن أبي طالب رضى الله عنه فقال : إنّ القوم قد تعبوا لحربكم ، فماذا عندكم من الرأي ؟ فقال له رفاعة بن شدّاد البجلي : يا أمير المؤمنين تعبية لتعبية . . . وأنشأ ابياتا مطلعها : {۰ أتتك الاُمور بسعد السعود وسرت إلى الفئة الناكثة ۰} قال : ودنا عليّ في أصحابه من البصرة ، فقال طلحة بن عبيداللّه لأصحابة : اعلموا أ يّها الناس ! أنّ عليا وأصحابه قد أضرّ بهم السفر وتعب الطريق ، فهل لكم أن نأتيهم الليلة فنضع فيهم السيف ؟ فقال مروان بن الحكم : واللّه لقد استبطأت هذه منك أبا محمّد ، وليس الرأي إلاّ ما رأيت ، قال : فضحك الزبير من ذلك ثمّ قال : أمن عليّ تصاب الفرصة وهو مَن قد عرفتم ؟ أما علمتم أ نّه رجل ما لقيه أحد قطّ إلاّ ثكلته اُمّه ؟ فسكت طلحة ولم يرد إلى الزبير شيئا . قال : ثمّ وثب رجل من أصحاب الزبير يكنّى أبا الجرباء فقال للزبير : أبا عبداللّه أمّا الرأي عندي إلاّ أن تبيتوا هذا الرجل ، فإنّ الرأي فى الحرب من النجدة ، فقال له الزبير : يا أبا الجرباء إنّنا لنعرف من الحرب ما لم يعرفه كثير من الناس . . . نقلنا ذلك من ابن أعثم في الفتوح : ۱ / ۴۶۳ ـ ۴۶۶ بتصرّف . ونحن نسأل بدورنا الطبري وابن الأثير وابن حزم وابن تيمية وغيرهم : أو لم يكف هذا بأنّ القوم قد صمّموا على الحرب مهما بذل الإمام عليّ عليه السلام من نصائح ورسائل ووفود ؟ ! ولو أردنا استعراض كلّ الرسائل والخطب والمساجلات بينه عليه السلام وبين طلحة والزبير وعائشة وكيفية اعتزال الزبير الحرب وخبر الفتى الّذي حمل المصحف إلى أصحاب الجمل يدعوهم إليه لأصبحت كتابا منفردا ، وقول الفتى : يا هؤلاء : هذا كتاب اللّه عزّ وجلّ بيننا وبينكم ، قال : فضرب رجل من أصحاب الجمل يده اليمنى فقطعها ، فأخذ المصحف بشماله فقطعها ، فاحتضن المصحف بصدره ، فضرب على صدره حتّى قُتل رحمه الله ، فنظرت إليه اُمّه وقد قتل فأنشأت أبياتا : {۰ يا رب إنّ مسلما أتاهم بمحكم التنزيل إذ دعاهم ۰} وقام ابن عمّ له يرثيه بقوله : {۰ تناوله شقيّ منهم بضربه أبان بها يمناه حتّى تصوب ۰} انظر الأبيات الاُولى والثانية في تاريخ الطبري : ۵ / ۲۰۶ و ۲۱۶ ، و : ۳ / ۵۲۲ باختلاف يسير ، ومروج الذهب : ۲ / ۹ و ۱۳ .