الفصول المهمة في معرفة الائمة - المالكي المكي، علي بن محمد بن أحمد - الصفحة ٤٠٤
بيّتونا فرددناهم فركبونا فثار الناس وثبت القتال ، فقال عليّ عليه السلام : قد علمت أنّ طلحة والزبير غير منتهين حتّى يسفكا الدماء وانّهما لم يطاوعا . والسبأية لا تفتر عن القتال وقد وضع الناس السيف في بعضهم بعضا [۱] ، فأقبل كعب بن سور على عائشة فقال لها : أركبي وقد أبى الناس إلاّ القتال فأركبوها هودجا وألبسوا هودجها الأدراع وشدّوا على جملها «عسكرا» وأبرزوه للناس» [۲] . ثمّ إنّ عليا عليه السلام نادى في معسكره : أ يّها الناس اُنشدكم اللّه أن لا تقتلوا مدبرا ، ولا تجهزوا على جريح ، ولا تستحلّوا سبيا ، ولا تأخذوا سلاحا ولا متاعا [۳] . ثمّ إنّه عليه السلام
[۱] انظر تاريخ الطبري : ۳ / ۵۱۷ ـ ۵۲۲ ولكن سبق وأن فنّدنا اُسطورة السبأية وبيّنا كيف نشأ القتال ودور مروان وأصحابه .
[۲] تقدّمت ترجمته واستخراج هذا القول أيضا . انظر الفتوح لابن أعثم : ۱ / ۴۷۳ ، و : ۴۸۵ ، وتاريخ الطبري : ۳ / ۵۱۸ .
[۳] انظر الطبري في تاريخه : ۳ / ۵۱۸ و۵۴۵ تحت عنوان «سيرة عليّ فيمن قاتل يوم الجمل» : أن لا يُقتل مدبرا ولا يذفّف على جريح ولا يكشف سترا ولا يأخذ مالاً . . . . وهاهو مروان يقول للإمام عليّ بن الحسين عليه السلام : ما رأيت أحدا أكرم غلبة من أبيك ، ما هو إلاّ أن ولّينا يوم الجمل فنادى مناديه : لا يُقتل مدبر ولا يذفّف على جريح . (السنن الكبرى للبيهقي : ۸ / ۱۸۱) . ولسنا بصدد بيان كلّ ما جاء عنه عليه السلام في وصاياه وخطبه لأصحابه يوم الجمل وكذلك يوم صفّين وغيرهما لأن سيرته عليه السلام مع معارضيه واضحة جدا لا غبار عليها ، ولم يبدأ الحرب حتّى يبدأوه بالقتال ، وحين ينتصر يعفو عنهم وعن أموالهم . وهاهي عائشة تسير بعد الجمل معزّزة مكرّمة إلى المدينة ويصفه ابن أبي الحديد في شرحه : ۱۰ / ۲۲۸ فيقول : كان عليّ عليه السلام لا يستعمل في حربه إلاّ ما وافق الكتاب والسنّة ، وكان معاوية يستعمل خلاف الكتاب والسنّة . . . ثمّ قال : وعليّ عليه السلام يقول : لا تبدأوهم بقتال حتّى يبدأوكم ، ولا تتبعوا مدبرا ، ولا تجهزوا على جريح ، ولا تفتحوا بابا مغلقا . وقال القاضي أبو يوسف في كتابه الخراج : ۲۱۵ : إنّ الصحيح عندنا من الأخبار عن عليّ عليه السلام أ نّه لم يقاتل قوما قط من أهل القبلة ممن خالفه حتّى يدعوهم ، وانّه لم يتعرّض بعد قتالهم وظهوره عليهم لشيء من مواريثهم ولا لنسائهم ولا لذراريهم ، ولم يقتل منهم أسيرا ، ولم يذفّف منهم على جريح ، ولم يتّبع منهم مدبرا . وجاء مثل هذا في كتاب اُصول الدين لأبي منصور التميمي البغدادي : ۲۸۴ نقلاً عن الإحقاق : ۸ / ۵۵۰ ، والسنن الكبرى للبيهقي : ۸ / ۱۸۱ ، والطبري في تاريخه : ۳ / ۵۴۵ كما ذكرنا سابقا بإضافة فقال قوم يومئذٍ : ما يُحلّ لنا دماءهم ، ويحرّم علينا أموالهم ؟ فقال عليه السلام : القوم أمثالكم ، من صفح عنّا فهو منّا ونحن منه ، ومن لجّ حتّى يصاب فقتاله منّي على الصدر والنحر ، وأنّ لكم في خمسه لغنى . وقال جورج جرداق في كتابه الإمام عليّ صوت العدالة الإنسانية : ۱ / ۸۲ : ومروءة الإمام أندر من أن يكون لها مثل في التاريخ ، وحوادث المروءة في سيرته أكثر من أن تعدّ ، ومنها : أ نّه أبى على جنده أن يقتلوا عدوّا تراجع ، وأن يتركوا عدوّا جريحا فلا يسعفوه ، كما أبى عليهم أن يكشفوا سترا أو أن يأخذوا مالاً . ومنها: أ نّه صلّى في وقعة الجمل على القتلى من أعدائه وسأل لهم الغفران... . (انظر مستدرك الوسائل: ۲/۲۵۱ و۲۵۲ وروى اليعقوبي في تاريخه: ۲/۱۸۰ والمسعودي في مروجه بهامش ابن الأثير: ۵/۱۸۸ ، وابن أعثم في تاريخه : ۱۷۵ ، والأغاني : ۱۶ / ۱۲۷ ، وأبو مخنف في الجمل برواية ابن أبي الحديد في شرحه للنهج : ۲ / ۴۸۰ وفي عباراتهم بعض الاختلاف قالوا : لمّا تزاحف الناس يوم الجمل والتقوا قال عليٌّ : لا تقاتلوا القوم حتّى يبدأوكم ، فإنّكم بحمد اللّه على حجّة وكفاكم عنهم حتّى يبدأوكم حجّة اُخرى ، وإذا قاتلتموهم فلا تجهزوا على جريح ، وإذا هزمتموهم فلا تتبعوا مدبرا ، ولا تكشفوا عورةً ، ولا تمثّلوا بقتيلٍ ، وإذا وصلتم إلى رحال القوم فلا تهتكوا سترا ولا تدخلوا دارا ، ولا تأخذوا من أموالهم شيئا .