الفصول المهمة في معرفة الائمة - المالكي المكي، علي بن محمد بن أحمد - الصفحة ٤٦٣
عنكم متى كنتم محقِّين؟ أحِينَ تقاتلون وخياركم يقتلون ؟ أم الآن حين أمسكتم [۱] عن القتال ؟ فقالوا : دعنا منك يا أشتر قاتلناهم للّه وندعهم للّه ، قال : خدعتم ودعيتم إلى وضع الحرب فأجبتم يا أصحاب الجباه السُّود ، كنّا نظنّ أنّ صلاتكم زَهادةٌ في الدنيا وشوقا إلى لقاء اللّه تعالى فلا أرى فراركم إلاّ إلى الدنيا من الموت [۲] . يا أشباه النيب [۳] الجلاّلة ما أنتم برائين بعدها عِزّا أبدا ، فابعدُوا كما بعُدَ القومُ الظالمون . فسبّوه وسبَّهم وضربوا وجه دابّته ، فصاح بهم عليّ بن أبي طالب عليه السلام ]فكَفُّوا] [۴] .
[۱] في (ج) : إمساككم .
[۲] ليست «من الموت» في (أ) .
[۳] في (أ) : البقر .
[۴] انظر هذه المساجلات والمحاورات الكلامية بين مالك الأشتر رحمه اللهوبين رسول عليّ عليه السلام من جهة ، وبين مالك الأشتر وبين القوم من جهةٍ اُخرى ، وخاصّة القرّاء الّذين أصبحوا بعد ذلك خوارج في المصادر السابقة كالطبري : ۴ / ۳۵ وما بعدها باختلاف يسير في اللفظ ، وكذلك ابن أعثم في الفتوح : ۲ / ۱۸۳ ، وصفين : ۴۹۰ وما بعدها ، والأخبار الطوال : ۱۹۰ ، والإمامة والسياسة : ۱ / ۱۴۴ . وقفه مع رفع المصاحف : أطبق المؤرّخون وأهل السير على أنّ الجيش الإسلامي العلوي قد اقترب من الفتح ولاح لهم النصروالظفر وتوجّه الخطر إلى معاوية وأصحابه ، وهذا ما بيّنه الإمام عليّ عليه السلام في خطبته الّتي ذكرها صاحب وقعة صفين : ۴۷۶ وفيها : أيّها الناس ، قد بلغ بكم الأمر وبعدوِّكم ما قد رأيتم ، ولم يَبْقَ منهم إلاّ آخر نَفْس ، وإنَّ الاُمور إذا أقبلت اعتبرَ آخرها بأوّلها ، وقد صبر لكم القوم على غير دينٍ حتّى بلغْنا ، وأنا غادٍ عليهم بالغَداة اُحاكمهم إلى اللّه عزّوجلّ . ولم يستطع معاوية المقاومة إلاّ عن طريق الخدعة والمكر ، فاستعان بعمرو بن العاص ـ كما أشرنا سابقا ـ فأمر معاوية أصحابه في جوف الليل أن يربطوا المصاحف على رؤوس الرماح ، وأصبح الصباح وإذا بأهل العراق يشاهدون خمسمائة مصحف على رؤوس الرماح ، وأهل الشام ينادون . . . ويتعطّفون أهل العراق ويطلبون منهم ترك الحرب وقالوا : هذا كتاب اللّه عزّ وجلّ بيننا وبينكم . وفي هذا قال النجاشي: {۰ فأصبح أهل الشام قد رفعوا القَنا عليها كتاب اللّه خير قُرانِ ۰} {۰ ونادوا عليّا : يابن عمّ محمّد أما تتقي أن يَهلك الثقلانِ ۰} {*} انظر كتاب الخيل لأبي عبيدة : ۱۶۲ وبعض أبيات هذه القصيدة ، ورواها ابن الشجري في حماسته : ۳۳ ، وانظرها في وقعة صفين : ۵۲۴ ـ ۵۲۶ وأقبل عديّ بن حاتم فقال : يا أمير المؤمنين ، إن كان أهلُ الباطل لا يقومون بأهل الحقّ فإنّه لم يُصَب عصبةٌ مِنّا إلاّ وقد اُصيب مثلُهَا منهم ، وكان مقروح . . . . وقال الأشتر : يا أمير المؤمنين ، إنّ معاوية لا خَلَف له من رجاله ، ولك بحمد اللّه الخَلف ، ولو كان له مثلُ رجالك لم يكن له مثلُ صبرِك ولا بَصَرك ، فاقرع الحديد بالحديد ، واستعن باللّه الحميد . . . . ثمّ قال عمرو بن الحمق : يا أمير المؤمنين ، إنّا واللّه ما أجبناك ولا نصرناك عصبيةً على الباطل ولا أجَبْنا إلاّ للّه عزّ وجلّ ولا طلبنا إلاّ الحقّ . . . . . لكن الأشعث بن قيس قال : يا أمير المؤمنين ، إنّا لك اليوم على ما كُنّا عليه أمس ، وليس آخر أمرِنا كأوَّله ، وما مِنَ القوم أحدٌ أحْنَى على أهل العراق ولا أوْتَر لأهل الشام منِّي ، فأجِب القوم . . . فقال عليّ عليه السلام :إنّ هذا أمرٌ يُنتظر فيه . . . وكان الأشعث وهو المسوَّد من كندة فإنّه لم يرض بالسكوت بل هو من أعظم الناس قولاً في الركون إلى الموادعة ، وأما كبشُ العراق وهو الأشتر فلم يكن يرى إلاّ الحرب ولكنه بعد كلّ الّذي ذكرناها من أ نّه يريد فواق ناقة أو عدو الفرس فإنه سكَت على مَضَض ، وأمّا سعيد بن قيس ، فتارةً هكذا وتارة هكذا . أمّا عليّ عليه السلام فقال : إنّه لم يزل أمري معكم على ما اُحبُّ إلى أن أخذَتْ منكم الحرب ، وقد واللّه أخذَتْ منكم وتَرَكَتْ ، وأخذَتْ من عدوّكم فلم تترك ، وإنّها فيهم أنْكَى وأنْهَك . ألا إني كنتُ بالأمسِ أمير المؤمنين فأصبحتُ اليوم مأمورا ، وكنتُ ناهيا فأصبحت منهيّا ، وقد أحببتم البقاء وليس لي أن أحملكم على ما تكرهون . . . . ثمّ قعد ، وتكلّم رؤساء القبائل . . . من ربيعة كردوس بن هانئ البكري فقال : أيُّها الناس ، إنّا واللّه ما تولّينا معاوية منذ تبرَّأنا منه ، ولا تبرَّأنا من عليٍّ منذُ تولّيناه . وإنّ قَتْلانا لَشُهداء ، وإنّ أحياءَنا لأبرار ، وإنّ عليّا لَعلَى بيِّنة من ربه ، ما أحدث إلاّ الإنصاف ، وكلّ محقٍّ مُنْصِف ، فمن سلَّم له نجا ، ومَنْ خالَفَه هلك... . ثمّ قام شقيق بن ثور البكريّ فقال : أيّها الناس ، إنّا دَعونا أهل الشام إلى كتاب اللّه فردّوه علينا فقاتَلْناهم عليه ـ إلى ان قال : ـ وقد أكلتنا هذه الحرب ولا نرى البقاء إلاّ في الموادَعة . . . . ثمّ قام حريث بن جابر البكري فقال : أيّها الناس ، إنّ عليّا لو كان خَلْفا من هذا الأمر لكان المفْزَع إليه ، فكيف وهو قائدُه وسائقُه ، وإنّه واللّه ما قَبِل من القوم اليوم إلاّ ما دعاهُم إليه أمسِ ، ولو ردّه عليهم {*} كنتم له أعْنَت ، ولا يُلحد في هذا الأمر إلاّ راجعٌ على عقبيه أو مستدرَجٌ بغرور ، فما بيننا وبين من طَغَى علينا إلاّ السيف . . . . ثمّ قام خالد بن المعمّر فقال : يا أمير المؤمنين ، إنَّا واللّه ما اخترنا هذا المقام أن يكون أحدٌ هو أولى به منّا ، غير أ نّا جعلناهُ ذُخْرا . . . فإنّا لا نرى البقاء إلاّ فيما دعاكَ إليه القوم . . . . ثمّ إنّ الحُصين الربعي وهو أصغر القوم سِنّا قام فقال : أيّها الناس ، إنّما بُني هذا الدين على التسليم فلا تُوفِّروه بالقياس ولا تهدموه بالشفقة ـ إلى ان قال : ـ وإنّ لنا داعيا قد حمِدنا وِردَه وصَدرَه ، وهو المصدّق على ما قال : المأمون على ما فعل . فإن قال : لا قلنا : لا ، وإن قال : نعم ، قلنا : نعم . . . وبلغ معاوية ذلك فبعث إلى مصقلة بن هبيرة فقال : يا مصقلة ، ما لقيتُ من أحدٍ مالقيتُ من ربيعة . . . فبعث مصقلةُ إلى الربعيِّين شعرا . . . . وقال النجاشي شعرا . . . وقال خالد بن المعمّر شعرا . . . وقال الصلتَان شعرا . . . وقال حريث شعرا . . . وقال رفاعة بن شداد كلاما وشعرا . . . . والسؤال الّذي يطرح نفسه هو : مَن هو المظلوم في وقعة صفين وما سبقها وما بعدها ؟ والجواب يوضحه قول الرسول صلى الله عليه و آله كما ورد في عيون أخبار الرضا :۱ / ۲۳۶ الباب ۲۷ ح ۶۳ عن الحسين بن عليّ عليه السلام قال : قال : رسول اللّه صلى الله عليه و آله : يا عليّ ، أنت المظلومُ مِن بعدي ، فويلٌ لِمَن ظلمك واعتدى عليك ، وطُوبى لِمَنْ تبعك ولم يختر عليك . ياعليّ ، أنت المقاتل بعدي ، فويلٌ لِمَنْ قاتلك ، وطُوبى لمن قاتل معك . لم يحدّثنا التاريخ عن مظلوم غُصب حقّه كالإمام عليّ عليه السلام وهذا ما ورد في تفسير الدرّ المنثور للسيوطي : ۲ / ۲۹۸ . نعم ، لقد صبر عليه السلام وتحمّل كلّ المظالم والمشاقّ لأجل بقاء الإسلام والقرآن والحفاظ على وحدة الاُمّة من التشتّت والتمزّق . وهاهو يقول : مازلت مظلوما منذ قبض اللّه تعالى نبيه إلى يوم الناس . وقال عليه السلام أيضا : لقد ظُلمتُ عدد المَدر والوَبر . ولسنا بصدد بيان كلّ الأحاديث الواردة بهذا الخصوص بل نحيل القارئ الكريم إلى المصادر التالية : سفينة البحار:۲/۱۰۸ مادة «ظلم»،الشافي في الإمامة للسيّد المرتضى: ۳/۲۲۳، و: ۴/۱۱۴، التاريخ الكبير : ۱ / ق ۲ / ۱۷۴ ط حيدر آباد ، الخرايج والجرائح للراوندي : ۱ / ۱۸۰ نشر مؤسّسة الإمام المهدي عليه السلام ، المستدرك : ۳ / ۱۴۲ ، البحار : ۲ / ۲۱ و ۶۰ ، و : ۲۸ / ۴۵ و ۷۶ ، و : ۴۰ / ۱۹۹ ، و : ۱۰۰ / ۲۶۵ ، شرح النهج لابن أبي الحديد : ۱۳ / ۳۰۰ ، وشرح النهج للفيض : ۸۳ خطبة ۲۶ ، وشرح النهج للعلاّمة الخوئي : ۱/۴۵۸ و۵۶۹ ، و : ۳ / ۳۷۳ ، العقد الفريد: ۴/۲۵۹، كتاب سُليم بن قيس: ۲۵ و۹۶ و۹۷، الإمامة والسياسة: ۱ / ۱۳ ، تفسير العيّاشي: ۲/۳۰۷، مرآة العقول: ۵/۳۲۱ ، الكامل في التاريخ : ۲ / ۲۱۹ ، تاريخ الطبري : ۳/۲۹۴ . أمّا بخصوص معركة صفين فانظر شرح النهج لابن أبي الحديد : ۲ / ۲۰۶ و ۲۰۹ و ۲۱۰ وما بعدها ولذا قال الشارح المعتزلي: عن أبي جعفر : ثمّ قام الطفيل بن أدهم حيال عليّ عليه السلام وقام أبو شريح الجذامي حيال الميمنة وقام ورقاء بن المعمّر حيال الميسرة ، ثمّ نادوا : يا معشر العرب : اللّه اللّه في النساء والبنات والأبناء من الروم والأتراك وأهل فارس غدا إذا فنيتم . . . . فاختلف أصحاب عليّ عليه السلام في الرأي فطائفة تقول القتال واُخرى تقول المحاكمة إلى الكتاب . . . . لكن الأشتر كان يقول : اصبروا فقد حَمي الوطيس.. . وقد خالف الأشعث في جيش عليّ عليه السلام حين الظفر والفتح... واستغلّ معاويه الفرصه وقال: اربطوا المصاحف على أطراف القَنا . . . والإمام عليّ عليه السلام يُطلع جيشه على حيلة معاوية وعمرو لكن أصحاب الجباه السود يتقدّمهم مسعر بن فدكي . . . ومعهم زهاء عشرين ألفا مُقنّعين بالحديد . . . وقالوا : ابعث إلى الأشتر ليأتينك . . . وقد أشرف الأشتر على عسكر معاوية ليدخله . . . فأرسل إليه الإمام عليّ عليه السلام أن يرجع . ثمّ انظر إلى خطبته عليه السلام الّتي يبيّن فيها مظلوميته وتثاقل أصحابه كما وردت في شرح النهج للفيض : ۸۵ الخطبة ۲۷ ، و : ۱۰۷ الخطبة ۳۵ ، و : ۲۷۵ الخطبة ۹۶ ، وانظر وقعة صفين : ۴۸۰ ـ ۴۹۴ ، تاريخ الطبري : ۶ / ۲۷ ، وشرح النهج لابن أبي الحديد : ۱ / ۱۸۶ ـ ۱۸۸ ، الإصابة : ۸۸۴۹ فيها تراجم بعض المعترضين، والمعارف: ۴۱ ـ ۴۲، وخزانة الأدب : ۳/۴۶۲ وفيها بعض الأشعار، وكذلك الأصمعيات : ۴۳ ـ ۴۵، والفتوح لابن أعثم : ۲/ ۱۸۶ ـ ۱۸۸ وما بعدها، الكامل لابن الأثير : ۳ / ۳۱۶ ، وتاريخ الطبري : ۴ / ۳۵ وما بعدها ط اُخرى ، الأخبار الطوال : ۱۸۹ .