الفصول المهمة في معرفة الائمة - المالكي المكي، علي بن محمد بن أحمد - الصفحة ٧٥
واصحابه [۱] ،
[۱] الصحابة لغةً : الصاحب . وجمعه : صحب ، و أصحاب ، وصِحاب ، و صحابة . والصاحب : المعاشر والملازم ، أو المجالس أو المشايع . ولا يقال إلاّ لمن كثرت ملازمته ، وإنّ المصاحبة تقتضي طول لبثه . (انظر لسان العرب ، ومفردات الراغب ، وتاج اللغة للجوهري ، وتاج العروس للزبيدي ، والمعجم الوسيط ، والقاموس المحيط للفيروز آبادي ، ومختارات الصحاح للرازي) . أمّا في القرآن الكريم فقد جاء ذكر : أصحاب ، وصاحبة ، وصاحبهما ، وأصحابهم ، وصاحبته ، وتصاحبني . وكلّ واحدةٍ من هذه الألفاظ وغيرها تدلّ على معنى ، لأنّ الصحبة تكون بين اثنين أو طرفين . ولابدّ أن تضاف إلى اسمٍ كما في قوله تعالى : {Q} «يَـصَـحِبَىِ السِّجْنِ » {/Q} و {Q} «أَصْحَـبُ مُوسَى » {/Q} وغير ذلك . (انظر سورة الكهف : ۳۷ ، لقمان : ۱۵ ، النساء : ۳۶ ، التوبة : ۴۰ ، القمر : ۲۹ ، النجم : ۲ ، سبأ : ۴۱ ، يوسف : ۳۹ و ۴۱ ، الذاريات : ۵۹ . وانظر التفاسير لهذه الآيات كتفسير ابن كثير : ۱ / ۴۹۴ ، و۲ / ۳۵۸ و ۳ / ۹۲ و ۴۴۴و و ۴ / ۲۶۵) . امّا تعريف الصحابي عند أهل السنّة : فهو من لقي النبيّ صلى الله عليه و آله مؤمنا به ، ومات على الإسلام . (الإصابة لابن حجر : ۱ / ۱۰) . ولسنا هنا بصدد مناقشة التعريف . {*} ثمّ ذكر ابن حجر في ضابطٍ يستفاد من معرفته صحبة جمعٍ كثير ، فقال : إنّهم كانوا في الفتوح لا يؤمرون إلاّ الصحابة) . (وإنّه لم يبقَ بمكّة ولا الطائف أحد في سنة عشرٍ إلاّ أسلم وشهد مع النبيّ حجّة الوداع . وإنّه لم يبقَ في الأوس والخزرج أحد في آخر عهد النبيّ صلى الله عليه و آله إلاّ دخل في الإسلام . وما مات النبيّ صلى الله عليه و آله وأحد منهم يظهر الكفر . (الإصابة : ۱ / ۱۳ ـ ۱۶) . وهذا التعريف هو المختار عند أكثر المحقّقين ، إلاّ من شذّ منهم ووضع شروطا أربعة : من طالت صحبته ، أو حفظت روايته ، أو ضبط أنه قد غزا معه ، أو استشهد بين يديه . (انظر الاستيعاب لابن عبد البرّ ، اُسد الغابة ، الإصابة ، تقريب التهذيب) . ويرى أهل السنّة أنّ الصحابة كلّهم عدول ، إذ ثبت أنّ الجميع من أهل الجنّة ، وأ نّه لا يدخل أحد منهم النار . (الإصابة : ۱ / ۹ و ۱۰) . أمّا مدرسة أهل البيت عليهم السلام فترى أنّ لفظ «الصحابي» ليس مصطلحا شرعيا ، وانّما شأنه شأن سائر مفردات اللغة العربية . والصحبة تشمل كلّ من صحب النبيّ صلى الله عليه و آله أو رآه أو سمع منه ، فهي تشمل : المؤمن والمنافق ، والعادل والفاسق ، والبرّ والفاجر ، ولذا يقول السيّد مرتضى الرضوي : الشيعة يوالون أصحاب محمدٍ صلى الله عليه و آله الّذين أبلوا البلاء الحسن في نصرة الدين ، وجاهدوا بأنفسهم وأموالهم . (آراء علماء المسلمين للسيّد مرتضى الرضوي : ۸۷) . حيث قال تعالى : {Q} «الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِى ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ وَ جَـهَدُواْ بِأَمْوَ لِهِمْ وَ أَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَـلـءِكَ هُمُ الصَّـدِقُونَ » {/Q} الحجرات : ۱۵ . وقال تعالى : {Q} «يَـأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَ كُونُواْ مَعَ الصَّـدِقِينَ » {/Q} التوبة : ۱۱۹ . لم يكن موقف الشيعة من هؤلاء غامضا ولا متزلزلاً ، ولذا قال أحد روّاد التقريب : لا أقول إنّ الآخرين من الصحابة ـ وهم الاكثر الّذين لم يتّسموا بسمة الولاء لأهل البيت ـ قد خالفوا النبي ولم يأخذوا بإرشاده ، كلاًّ ومعاذ اللّه أن يُظنَّ فيهم ذلك ! وهم خيرة مَن على وجه الأرض يومئذٍ ، ولكن لعلّ تلك الكلمات لم يسمعها كلّهم ، ومن سمع بعضها لم يلتفت إلى المقصود منها ، وصحابة النبيّ الكرام أسمى من أن تُحلّق إلى أوج مقامهم بغاث الأوهام (أصل الشيعة واُصولها للشيخ محمّد الحسين كاشف الغطاء : ۸۴) . ويضيف رحمه الله بعد أن يذكر ممّا وقع بحقّ أهل البيت : لا يذهبنّ عنك أ نّه ليس معنى هذا أ نّا نريد أن ننكر ما لاُولئك الخلفاء من الحسنات ، وبعض الخدمات للإسلام الّتي لا يجحدها إلاّ مكابر ، ولسنا بحمد اللّه من المكابرين ، ولا سبّابينَ ولا شتّامين ، بل ممّن يشكر الحسنة ويغضي عن السيّئة ، ونقول : تلك اُمّة قد خلت لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ، وحسابهم على اللّه ، فإن عفا فبفضله ، وإن عاقب {*} فبعدله . (المصدر السابق : ۹۴) . أمّا السيّد الشهيد الصدر المرجع الشيعي الشهير والّذي عاش مجاهدا وداعيا إلى الإصلاح ومخاطبا في بياناته التاريخية أبناء الاُمّة الإسلامية بقوله : «يا أبناء عليّ ، ويا أبناء عمر . . .» والّذي أعدمته الزمرة الحاكمة في بغداد عام ۱۹۸۰ فقد قال : إنّ الصحابة بوصفهم الطليعة المؤمنة والمستنيرة كانوا أفضل وأصلح بذرةٍ لنشوء اُمّة رسالية ، حتّى أنّ تاريخ الإنسان لم يشهد جيلاً عقائديّا أروع وأنبل وأطهر من الجيل الّذي أنشأه الرسول القائد . (بحث حول الولاية : ۱۱ / ۴۸ ـ المجموعة الكامله لمؤلّفاته قدس سرهالّتي جمعت في ۱۵ مجلّدا ومن أشهرها وأكثرها انتشارا «اقتصادنا» و «فلسفتنا» و «البنك اللاّربوي») . إنّ الصحبة ليست بمجرّدها تلبس صاحبها لباس العدالة ، والصحابة واقعا ليسوا بدرجةٍ واحدة ، وإنّما تختلف منازلهم ، وطبقات صدقهم ، فمنهم الأقوياء ، ومنهم الضعفاء ، ومنهم المنافقون والرامون فراش رسول اللّه صلى الله عليه و آله بالإفك ! ومنهم من حاولَ اغتياله صلى الله عليه و آله ! وأخبر عنهم . وهم الّذين قال فيهم القرآن الكريم مخاطبا لهم بعد أن ارتدّوا وأشركوا وانقلبوا على أعقابهم : {Q} «وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رسول قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَـبِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْـ?ا وَسَيَجْزِى اللَّهُ الشَّـكِرِينَ » {/Q} آل عمران : ۱۴۴ . وهم الّذين قال فيهم رسول اللّه صلى الله عليه و آله : يا ربِّ ، أصحابي أصحابي ! فيقال له : إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك . (صحيح البخاري ۹ : ۸۳ ، صحيح مسلم : ۴ / ۱۷۹۶ حديث الحوض ، مسند أحمد : ۳ / ۱۴۰) . وفي حديثٍ آخر قال : فأقول : سحقا سحقا . (سنن ابن ماجة : ۲ / ۱۴۳۹ ، مسند أحمد : ۶ / ۲۹۷ ، مصابيح السنّة : ۳ / ۵۳۷) إلى غير ذلك من الأحاديث . ومنهم مَن تشتاق إليه الجنة ، وقد أثنى اللّه سبحانه وتعالى عليهم والرسول صلى الله عليه و آله في أحاديثه ، وأنهم المقصودون في الثناء : {Q} «أَشِدَّآءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ تَرَلـهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَ نًا سِيمَاهُمْ فِى وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَ لِكَ مَثَلُهُمْ فِى التَّوْرَلـةِ وَ مَثَلُهُمْ فِى الاْءِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْـ?هُو فَـ?ازَرَهُو فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِى يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَ عَمِلُواْ الصَّــلِحَـتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَ أَجْرًا عَظِيمَام » {/Q} الفتح : ۲۹ . هؤلاء قاموا بمعالم الرسالة ، وبذلوا النصيحة ، وهذّبوا الطرق ، وأذلّ اللّه بهم الكفر والشرك ، وصارت بهم كلمة اللّه هي العليا ، وكلمة الّذين كفروا السفلى . فصلوات اللّه عليهم وعلى أرواحهم الطاهرةِ بعد ما كانوا في الحياة أولياء ، وبعد الممات أحياء . والخلاصة : انّ الشيعة يقولون بعدالة المتصف بالعدالة من الصحابة فقط ، ولذا نراهم يردّدون الأدعية الواردة عن الأئمة الأطهار بحقّ الصحابة كدعاء الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام حيث يقول : لقد رأيت أصحاب محمّد صلى الله عليه و آله فما أرى أحدا يُشبههم منكم ، لقد كانوا يُصبحون شُعثا غُبرا ، وقد باتُوا سُجّدا وقياما ، يراوحون بين جباههم وخدودهم ، ويقفون على مثل الجَمْر من ذِكر معادِهم ، كأنّ بين أعينهم رُكَبَ المِعزَى من طولِ سُجودِهم ، إذا ذُكِرَ اللّه هَمَلَتْ أعيُنُهم حتّى تَبُلَّ جُيوبهم ، ومادُوا كما يميدُ الشجرُ يوم الريح العاصف، خوفا من العقاب ورجاءً للثواب. (نهج البلاغة تحقيق الدكتور صبحي الصالح: ۱۴۳). ويقول عليه السلام : أين إخواني الّذين ركِبوا الطريق ومَضَوا على الحقّ ؟ أين عمّار ؟ وأين ابن التيِّهان [ أبو الهيثم مالك بن التيِّهان ] ؟ وأين ذو الشهادتين [ خزيمة بن ثابت الأنصاري ] ؟ وأين نظراؤهم من إخوانهم . . . الّذين تَلَوا القُرآنَ فأحكموهُ ؟ وتَدبّروا الفرضَ فأقاموه ، أحْيوا السنّة وأماتُوا البدعة ، ودُعوا إلى الجهاد فأجابوا ، ووثِقُوا بالقائد فاتّبَعوه . (المصدر السابق : ۲۶۴) . ومن أدعية الإمام عليّ بن الحسين زين العابدين عليه السلام والّتي يتعبّد بها الشيعة : «اللّهمّ وأتباع الرسل ومصدّقوهم من أهل الأرض بالغيب عند معارضة المعاندين لهم بالتكذيب ، والاستباق إلى المرسلين بحقائق الإيمان ، في كلّ دهرٍ وزمانٍ أرسلت فيه رسولاً . . . . . اللّهمّ وأصحاب محمّدٍ خاصةً ، الّذين أحسنوا الصحبة ، والّذين أبلوا البلاء الحسن في نصره ، وكاتفوه ، وأسرعوا إلى وفادته ، وسابقوا إلى دعوته . . . وفارقوا الأزواج والأولاد في إظهار كلمته . (الصحيفة السجّادية : ۴۳) . وهاهو جواب ابن عبّاس رضى الله عنه لمعاوية بن أبي سفيان عندما سأله عن الصحابة ، قال : يامعاوية إنّ اللّه جلّ ثناؤه وتقدّست أسماؤه خص نبيّه محمّدا بصحابةٍ آثروه على الأنفس والأموال ، وبذلوا النفوس دونه في كلّ حالٍ ، وصفهم اللّه في كتابه العزيز {Q} «رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ تَرَلـهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا . . . » {/Q} . (مروج الذهب للمسعودي : ۳ / ۶۵ و ۴۲۵) . إذن ، فاتّهام الشيعة بسبّ الصحابة وتكفيرهم جميعا هو اتّهام باطل لا يمتّ إلى التشيّع بسبب (انظر الشيعة في الميزان للعلاّمة محمّد جواد مغنية : ۱۵) . وكان معظم الشيعة يتورّعون عن شتم أحدٍ من الصحابة والتابعين (انظر هوية التشيّع للدكتور الشيخ أحمد الوائلي : ۳۸) . وهاهو الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام يقول في خطبته : إنّي اُكرهُ لكم أن تكونوا سبّابين . (نهج البلاغة تحقيق صبحى الصالح : ۳۲۳) ، عند ما سمع بعض جنده يسبّون أهل الشام أيّام حربهم في صفّين .