الفصول المهمة في معرفة الائمة - المالكي المكي، علي بن محمد بن أحمد - الصفحة ٤١٦
لقيت منهم ما لقيت من ابن الزبير ولقيت من عبدالرحمن بن عتاب أشدّ من ذلك ، لقيته أشدّ الناس بأسا وأشجعهم قلبا وأثبتهم جأشا ، وما كدت أن أنجو منه وتمنّيت أني لم أكن لقيته [۱] . وما رؤي مثل ذلك اليوم وكثرة من اُصيب يوم الجمل ومن قُتل حوله من العسكرين وقُتل عليه خلائق لا يحصون وقُطعت عليه أيدٍ كثيرة حتّى صاح عليّ : اعقروا الجمل [۲] إنْ يُعْقَر الجمل تفرّق الناس ، فانتدب [له] رجل يقال له بحير بن دلجة الكلابي [۳] فضرب ساقه فسقط إلى الأرض [على جنبه وله جرجرة
[۱] لم نعثر على هذا القول إلاّ عند الطبري في تاريخه : ۵ / ۲۱۷ ، و : ۳ / ۵۲۸ وقد ورد بلفظ : قال عبداللّه بن الزبير : مشيت يوم الجمل وبي سبع وثلاثون جراحة من ضربة وطعنة وما رأيت مثل يوم الجمل قط ما ينهزم منّا أحد وما نحن إلاّ كالجبل الأسود وما يأخذ بخطام الجمل أحد إلاّ قُتل ، فأخذه عبدالرحمن بن عتّاب فقُتل فأخذه الأسود بن أبي البختري فصُرع ، فجئت فأخذت بالخطام فقالت عائشة : من أنت ؟ قلت : عبداللّه بن الزبير ، قالت واثكل أسماء ، ومرّ بي الأشتر فعرفته فعانقته فسقطنا جميعا وناديت : اقتلوني ومالكا فجاء ناس منّا ومنهم فقاتلوا عنّا حتّى تحاجزنا وضاع الخطام .
[۲] لا نريد أن نصف ذلك اليوم واحمرار الأرض بالدماء وكيفية ترامي الرجال بالنبال حتّى فنيت وتطاعنوا بالرماح حتّى تشبكّت في الصدور حتّى لو أن الرجال مشت عليها لاستقلّت بهم ، ولكن مايختصّ بكلام المصنّف انظر تاريخ الطبري : ۳ / ۵۳۸ ، و : ۵ / ۲۱۸ ، وابن أعثم في الفتوح : ۱ / ۴۸۶ . وروى المدائني والواقدي برواية ابن أبي الحديد في شرح النهج : ۱ / ۸۴ عن ضبّة والأزد أ نّهم كانوا حول الجمل يحامون عنه ولقد كانت الرؤوس تُنْدَرُ عن الكاهل ، والأيدي تطيح من المعاصم ، وأقتاب البطن تندلق من الأجواف ، وهم حول الجمل كالجراد الثابتة ، لا تتحلحل ولا تتزلزل ، حتّى لقد صرخ عليٌّ بأعلى صوته : ويلكم اعقروا الجمل فإنّه شيطان : ثمّ قال : اعقروه إلاّ فنيت العرب ، لا يزال السيف قائما وراكعا حتّى يهوي هذا البعير إلى الأرض .
[۳] انظر تاريخ الطبري : ۵ / ۲۱۸ ، و : ۳ / ۵۳۸ ط اُخرى ، وابن أعثم في الفتوح : ۱ / ۴۸۹ ، وابن أبي الحديد في شرح النهج : ۱ / ۸۷ ـ ۸۹ ، والاستيعاب : ۱۵۰ واُسد الغابة : ۱ / ۳۷۹ ، والجمهرة : ۲۱۹ و ۳۶۸ و ۳۷۲ و ۳۸۹ ، والنهاية : ۳۹۷ . لكنهم اختلفوا في اسم الشخص الّذي انتدبه الإمام عليّ عليه السلام لضرب الجمل فمنهم من قال : إنه أعين بن ضبيعة فكشف عرقوبه بالسيف كما جاء في الأخبار الطوال : ۱۵۱ ، ومنهم من قال : إنه ابن دلجة عمرو أو بجير وقال ابن أعثم : عرقبه من رجليه عبدالرحمن بن صرد التنوخي . وفي رواية لأبي مخنف في شرح النهج : لمّا رأى عليّ أنّ الموت عند الجمل وأ نّه ما دام قائما فالحرب لاتُطفأ وضع سيفه على عاتقه وعطف نحوه ، وأمر أصحابه بذلك ومشى نحو الخطام مع بنى ضبَّة ، فاقتتلوا قتالاً شديدا ، واستحرّ القتل في بني ضبَّة ، فقتل منهم مقتلة عظيمة ، وخلص عليٌّ في جماعة من النخغ وهمدان إلى الجمل ، وقال لرجل من النخغ اسمه بجير : دونك الجمل يا بجير ، فضرب عجز الجمل بسيفه فوقع لجنبه ، وضرب بجرانه الارض وعجّ عجيجا لم يسمع بأشدّ منه ، فما هو إلاّ أن صرع الجمل حتّى فرّت الرجال كما يطير الجراد في الريح الشديدة الهيوب ، فنادى عليّ : اقطعوا أتساع الهودج ، واحتملت عائشة بهودجها ، وأمر بالجمل أن يحرق ثمّ يذري في الريح وقال : لعنه اللّه من دابّة ، فما أشبهه بعجل بني إسرائيل ، ثمّ قرأ : {Q} «وَ انظُرْ إِلَى إِلَـهِكَ الَّذِى ظَـلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَّنُحَرِّقَنَّهُو ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُو فِى الْيَمِّ نَسْفًا» {/Q} طه : ۹۷ .