الفصول المهمة في معرفة الائمة - المالكي المكي، علي بن محمد بن أحمد - الصفحة ٢٩٤
۰ وقيتُ بنفسي خيرَ من وطئ الثرى وأكرم خلقٍ طاف بالبيت والحجر ۰ ۰ وبِتُّ اُراعي منهُمُ ما يسوؤني وقد صَبَرت نفسي على القتل والأسر ۰ ۰ وباتَ رسول اللّه ِ في الغار آمنا ومازال في حفظ الإله وفي السرّ [۱] ۰ فهذا ممّا يشهد له بقوّة جنانه ، وثبات أركانه ، وتبريزه على نظرائه [۲] وأقرانه ، من أبطال الحرب وشجعانه . ومن كلام بعضهم : واعجباه ! هذا فداه بنفسه من الكفّار ، وهذا ساواه بنفسه في الغار ، وهذا آنسه في مسيره ، وهذا بات على سريره ، وهذا أنفق ماله عليه ، وهذا بذل مهجته بين يديه ، وكلّ [۳] منهما سعيه مشكور ، وفضله مشهور ، وهو على صنيعه مثاب ومأجور [۴] .
[۱] في (د) : الستر .
[۲] في (أ): نظائره .
[۳] في (ب) : فكلّ .
[۴] لا نريد التعليق على هذا الكلام الّذي ينقله ابن الصبّاغ عن الغزالي «ومن كلام بعضهم . . .الخ» ولكن نسأل القائل ما وجه المقارنة هنا بين المساواة في الغار والاُنسة في المسير وبين الفداء بنفسه والّذي نزل بحقّه {Q} «وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ابْتِغَآءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفُم بِالْعِبَادِ » {/Q} والّتي أطبق المؤرّخون على أنها نزلت في عليّ عليه السلام ، وسبق وأن دللنا على ذلك بالمصادر الّتي ذكرناها سابقا كشواهد التنزيل للحاكم الحسكاني : ۱ / ۱۲۳ ح ۱۳۳ وما بعده ، والثعلبي في الكشف والبيان : ۱ / ۱۱۷ ، والرازي في {*} تفسيره : ۲ / ۱۵۲ ، وغيرهم كثير . إذا أوّل من شرى نفسه للّه عزّوجلّ عليّ بن أبي طالب عليه السلام وقد ذكر أبو جعفر الإسكافي على ما رواه ابن أبي الحديد في شرحه على نهج البلاغة : ۱ / ۷۸۹ ط الحديثه ببيروت قال : وقد روي أنّ معاوية بذل لسمرة بن جندب مائة ألف درهم حتّى يروي أنّ هذه الآية نزلت في عليّ بن أبي طالب : {Q} «وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُو فِى الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِى قَلْبِهِى وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ » {/Q} وأنّ الآية الثانية هي في ابن ملجم وهي قوله تعالى : {Q} «وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ابْتِغَآءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ » {/Q} فلم يقبل ، فبذل له مائتي ألف درهم فلم يقبل ، فبذل له ثلاث مائة ألف فلم يقبل ، فبذل أربعمائة ألف فقبل وروى ذلك . فلاحظ بعض مخازي سمرة في الشرح المختار المذكور : ۷۹۲ ، فإذا كانت المقارنة من هذا الباب فلا عتب ولا استدلال . هذا أوّلاً . وثانيا : يقول صاحب كتاب مطالب السؤول نقلاً عن الإحقاق : ۳ / ۴۵ بأنه عليه السلام بات في المضطجع والمشركون مجمعون على أخذه وقتله ، ولم يضطرب لذلك قلبه ولا اكترث بهم . . . وأقام بمكة وحده بينهم ثلاث ليالٍ بأيامها يردّ الودائع . . . ثمّ خرج وحده من مكّة مع شدّة عداوتهم . فلو لم يكن اللّه تعالى قد خصّ قلبه بقوّة وجنانه بثبات ونفسه بشهامة لاضطرب في هذا المقام . والنبيّ موسى عليه السلام مع درجة النبوّة لكن لمّا أمره بإلقاء عصاه فألقاها فلمّا صارت حيّة خاف واضطرب وولّى مدبرا كما قال تعالى : {Q} «أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْأَمِنِينَ » {/Q} القصص : ۳۱ . فلم يمكنه أن يخالف الأمر ، وكان عليه كساء فلفّ طرف الكساء على يده ليأخذها فقال : مالك يا موسى ؟ أرأيت لو أذن اللّه تعالى لها في أذاك أرادّ عنك كساءك ؟ فقال : لا ، ولكنّي ضعيف ومن ضعفٍ خُلقت ، فالنفس البشرية هذا طبعها . وكذلك اُمّ موسى عليه السلام لولا أن ربط اللّه على قلبها فلم تنطق مع اضطراب القلب . فلولا أنّ اللّه تعالى منح عليا عليه السلام قلبا متصفا بالقوّة الثابتة لكان مع امتثال أمر النبيّ صلى الله عليه و آله وأمنه من تطرّق الأذى إليه لقول النبيّ صلى الله عليه و آله يضطرب بالنفس البشريّة ، وهذا لما حدث لغيره {Q} «إِذْ يَقُولُ لِصَـحِبِهِى لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا » {/Q} التوبة : ۴۰ . فانظر المحاججة الّتي أقامها المأمون على فقهاء عصره بقصّة ليلة المبيت في الإحقاق : ۳ / ۱۸۹ وغيره من الكتب الّتي أشرنا إليها سابقا . وثالثا : روى في المناقب لابن شهرآشوب : ۲ / ۵۸ وغيره عن مجاهد قال : فخرت عائشة بأبيها ومكانه مع رسول اللّه صلى الله عليه و آله في الغار ، فقال عبداللّه بن شدّاد بن الهاد : فأين أنتِ من عليّ بن أبي طالب حيث نام في مكانه ، ويرى أ نّه يُقتل ؟ فسكتت ولم تحر جوابا . وشتّان بين قوله {Q} «وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ابْتِغَآءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ » {/Q} وبين قوله {Q} «لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا » {/Q} وكان النبيّ معه يقوّي قلبه ، ولم يكن مع عليّ ، وهو لم يصبه وجع وعليّ يرمى بالحجارة ، وهو مختفٍ بالغار وعليّ ظاهر للكفار . وانظر المسترشد في إمامة أمير المؤمنين : ۴۳۳ ، الخصائص لابن البطريق : ۹۸ ، كشف اليقين : ۹۰ ، بحار الأنوار : ۳۸ / ۲۸۹ ، و : ۳۶ / ۴۸ و ۴۹ ، إعلام الورى : ۱۹۱ ، الطرائف : ۳۳ ، العمدة : ۳۴۰ ، دلائل الصدق : ۲ / ۵۳۸ ، الشافي للسيّد المرتضى : ۴ / ۲۵ ، الغدير : ۲ / ۴۸ ، تذكرة الخواصّ لسبط ابن الجوزي : ۴۰ ، تاريخ اليعقوبي : ۲ / ۳۳ ، الطرائف لابن طاووس : ۴۰۷ ، اختيار معرفة الرجال : ۱ / ۱۳۰ ، كفاية الطالب : ۱۱۵ ينابيع المودّة : ۱۰۵ . وهاهو شعر الصاحب بن عبّاد الّذي شرحه القاضي جعفر بن أحمد البهلولي اليماني : ۸۵ ط بغداد : {۰ قالت : فَمن بات من فوق الفراش فدىً فَقُلْتُ : أثبَتُ خَلْقِ اللّه في الوَهَلِ ۰} ورابعا : قال الإسترآبادي في هامش رجال الكشّي : ۱ / ۱۳۱ : إنّ همّه و حزنه وفزعه وانزعاجه وقلقه حين إذ هو مع النبيّ صلى الله عليه و آله المأمور من تلقاء ربه الحفيظ الرقيب بالخروج والهجرة والموعود من السماء على لسان روح القدس الأمين بالتأييد والنصرة ممّا يكشف عن ضعف يقينه وركاكة إيمانه جدا . وخامسا : انّ إنزال اللّه السكينة عليه صلى الله عليه و آله فقط لا على صاحبه ولا عليهما جميعا مع كون الصديق أحوج إلى السكينة ، حينئذٍ فقلقه وحزنه يدلّ على أنه لم يكن أهلاً لذلك ، وإرجاع الضمير في «عليه» على أبي بكر كما يقول البيضاوي هو فرق لاتفاق المفسّرين ، وذلك لأن الضمير في «أيّده» و «عليه» في الجملتين المعطوفة والمعطوفة عليها يعودان إلى مفاد واحد . (انظر للمزيد كتاب الاحتجاج : ۲ / ۴۹۹ ـ ۵۰۱ ، وكنز الفوائد للكراجي : ۲ / ۴۸ ، والكشكول للبحراني : ۲ / ۵) .