الموسوعة الفقهية - موسسه دائرة المعارف الفقه الاسلامي - الصفحة ٤٨٨
والاغتراف أو الصبّ فعل آخر يكون بمثابة المقدّمة لإيصال الماء، فالمقدّمة محرّمة دون ذي المقدمة وإن كان مستلزماً لها، وعندئذٍ لا محذور في تعلّق الأمر به حتى على تقدير الانحصار بناءً على إمكان الترتّب والأمر بالواجب على تقدير فعل مقدّمته المحرّمة، سواء كانت المقدّمة تفريغ الماء دفعة أو تدريجاً؛ فانّه لا فرق بينهما من هذه الناحية، وإنّما الفرق أنّه على تقدير عدم تفريغ الماء اللازم للوضوء أو الغسل كلّه دفعة واحدة- سواء أفرغ مقدار منه لبعض الوضوء أو الغسل أو لا- لا أمر مطلق بالوضوء، فيمكنه الاجتزاء بالتيمم، إلّا انّه لو عصى ذلك كان الفعل الواقع تدريجاً- وهو الوضوء أو الغسل- مأموراً به بالأمر الترتّبي المشروط بالعصيان بالنحو المذكور؛ إذ لا منافاة بحسب الفرض بينه وبين النهي عن المقدّمة [١].
ومبنى القول بالتفصيل بين صورتي الانحصار وعدمه هو استحالة الترتّب، فلا أمر بالوضوء أو الغسل في صورة الانحصار. وأمّا في صورة عدم الانحصار ووجود ماء في إناء مباح فحيث إنّ الأمر بالطهور المائي فعليّ على كل حال- لإمكانه بحسب الفرض- فيبقى متعلّقه مطلق الطهور وجامعه المنطبق حتى على المستلزم للحرام؛ لعدم لزوم محذور منه بعد أن كان الفعل المحرّم غير متّحد معه، فلا موجب لتقييد متعلّق الأمر الفعليّ بالطهور المائي غير المستلزم للحرام.
ومنه يظهر حكم جعل الآنية المغصوبة مصبّاً لماء الوضوء أو الغسل حيث اشترط بعضهم إباحة المصبّ، بناءً على أنّ صبّ الماء في الآنية تصرّف فيها، وهو لازم الوضوء أو الغسل.
إلّا أنّ هنا يظهر عنصر آخر استوجب القول بالبطلان حتى من القائل بإمكان الترتّب وصحة الوضوء أو الغسل بنحو الاغتراف حتى مع الانحصار- كالسيد الحكيم في منهاجه [٢]- فاستشكل في صحة الوضوء، وهذا العنصر هو أنّ انصباب الماء في الآنية يكون معلولًا للطهور، فيكون الطهور سبباً وعلّة تامة
[١] انظر: التنقيح في شرح العروة (الطهارة) ٣: ٣٣٧- ٣٣٨.
[٢] منهاج الصالحين (الحكيم) ١: ٤٧.