الموسوعة الفقهية - موسسه دائرة المعارف الفقه الاسلامي - الصفحة ١٢٨
مجتمعون حوله كربيظة الغنم. ولو لا حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر وما أخذ اللَّه على العلماء ألّا يقارّوا على كضّة ظالم ولا سغب مظلوم لألقى حبلها على غاربها [١]. فلم يجد مناصاً من القيام بالأمر. وقد سار بالمسلمين على المحجّة البيضاء وسنّة رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم خمس سنين وأشهراً ممتحناً بجهاد المنافقين من الناكثين والقاسطين والمارقين [٢]، وفي الأيّام الاول من عهده نقل مركز حكومته عليه السلام من المدينة إلى الكوفة [٣].
وقد تخلّلت فترة حكومته عليه السلام ثلاثة حروب خطيرة هي: الجمل مع الناكثين، وصفين مع القاسطين، والنهروان مع المارقين [٤].
وصار حكمه عليه السلام مضرب المثل في القسط والعدل والانصاف والمساواة، ونموذجاً فذّاً لم يتكرّر في التأريخ [٥].
[١] راجع: الخطبة الشقشقية في نهج البلاغة: الخطبة ٣. شرح ابن أبي الحديد ١: ٢٠٢.
[٢] الارشاد للمفيد ١: ٩.
[٣] الكليني والكافي: ٧١.
[٤] شرح الأخبار ١: ١١٤. وانظر فيض القدير شرح الجامع الصغير ٤: ٤٦٩.
[٥] ولنذكر شيئاً من صفته: فقد حفلت الكتب من الفريقين بنقل صفاته الفاضلة، ومما قيل في ذلك ما وصفه به ضرار بعد مقتله عليه السلام عند ما طلب منه معاوية ذلك وأصرّ وأقسم عليه، فقال ضرار:
كان واللَّه بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلًا، ويحكم عدلًا، يتفجّر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها ويستأنس بالليل وظلمته، كان واللَّه غزير العبرة، طويل الفكرة، يقلّب كفّه ويخاطب نفسه، يعجبه من اللباس ما قصر ومن الطعام ما جشب، كان واللَّه كأحدنا يدنينا إذا أتيناه، ويجيبنا إذا سألناه، وكان مع تقرّبه منّا وقربه منا لا نكلّمه هيبة له، فإن ابتسم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم، يعظّم أهل الدين ويحب المساكين، لا يطمع القوي في باطله ولا ييأس الضعيف من عدله. فأشهد باللَّه لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله وغارت نجومه يميل في محرابه قابضاً على لحيته يتململ تململ السليم ويبكي بكاء الحزين، فكأنّي أسمعه الآن وهو يقول: يا ربّنا يا ربّنا- يتضرّع إليه- ثمّ يقول للدنيا: إليكِ عني يا دنيا غرّي غيري، أبي تعرّضتِ أم إليّ تشوقت، هيهات هيهات قد طلّقتك ثلاثاً لا رجعة لي فيك، فعمرك قصير، وخطرك كبير، وعيشك حقير. ثمّ قال عليه السلام: آهٍ آهٍ من قلّة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق.
فبكى معاوية وقال: رحم اللَّه أبا الحسن كان واللَّه كذلك.
(حلية الأولياء ١: ٨٤- ٨٥. ذخائر العقبى: ١٠٠. كشف الغطاء ١: ١١٨).