الموسوعة الفقهية - موسسه دائرة المعارف الفقه الاسلامي - الصفحة ٣٥٢
٣- ولم نعثر فيمن جاء بعد العلّامة على من تابعه في تفصيله، بل كان الموقف السائد هو الصحة حتى مع الانحصار، بل ذهب بعضهم إلى توسعة دائرة الصحة حتى فيما لو كانت الطهارة برمس العضو في الآنية فضلًا عن الاغتراف والصبّ منها [١].
الماء على العضو؛ وذلك يحصل بعد انفصاله عن الاناء. وقال بعض الحنابلة: لا تصحّ؛ لأنّه استعمل المحرّم في العبادة، فلا تصحّ كالصلاة في الدار المغصوبة.
وهو خطأ؛ لأنّ انتزاع الماء من الاناء ليس جزءاً من الوضوء، والطهارة إنّما تقع بعد انقضاء ذلك الاستعمال، فيكون كما لو قهر غيره على تسليم ثوب نفسه ليستتر به في الصلاة، والتصرّف جزء من الصلاة في الدار المغصوبة، وهو منهي عنه، فلهذا بطلت.
تذنيب: لو جعل آنية الذهب والفضّة مصبّاً لماء الوضوء ينفصل الماء عن أعضائه إليه لم يبطل وضوؤه؛ لأنّه قد رفع الحدث قبل وقوعه في الاناء.
وبعض الحنابلة أبطله؛ لما فيه من الفخر والخيلاء وكسر قلوب الفقراء. وهو غلط؛ لأنّ فعل الطهارة حصل قبل وصول الماء إلى الاناء».
(وانظر: المغني؛ لابن قدامة ١: ٦٣. وانظر أيضاً: الشرح الكبير المطبوع ضمن المغني ١: ٥٨- ٥٩. الانصاف ١: ٨١).
وقال في المنتهى (٣: ٣٢٥): «لو توضّأ من الآنية أو اغتسل صحّت طهارته، وبه قال الشافعي وإسحاق وابن المنذر وأصحاب الرأي، خلافاً لبعض الحنابلة». ثمّ قال: «ولو قيل: إنّ الطهارة لا تتمّ إلّا بانتزاع الماء المنهيّ عنه، فيستحيل الأمر بها؛ لاشتمالها على المفسدة كان وجهاً». وانظر: (المغني ١: ٦٣. الشرح الكبير المطبوع ضمن المغني ١: ٥٨. الامّ ١: ١٠. المجموع ١: ٢٥١).
وحمل هذا الكلام على صورة الانحصار على ما سيأتي.
[١] قال الشهيد الأوّل في البيان (٥٢): «لو كان الإناء مغصوباً أو آلة الصبّ غصباً أو ذهباً أو فضّة أو كان أحدهما مصبّاً للماء فالوجه الصحّة وإن أثم».
وقال أيضاً في البيان (٩٧): «لو تطهّر من إناء الذهب أو الفضّة أو صبّ به أو جعله مصبّاً لماء الطهارة صحّت وإن فعل حراماً؛ لخروجه عن حقيقة الطهارة».
وقال في الدروس (١: ١٢٨): «ولا تبطل الطهارة منه أو فيه».
وقال في الذكرى (١: ١٤٨)- في بحث الأواني-: «لا تبطل الطهارة منها ولا فيها وإن حرم؛ لأنّ النهي عن أمر خارج؛ إذ أخذ الماء ليس جزء من الطهارة؛ إذ الشروع فيها بعد وضعه على العضو، وصبّ الماء فيها أبلغ في الخروج عن الطهارة».
وقال ابن فهد (الموجز، الرسائل العشر: ٤٢): «ويبطل [/ الوضوء] بإيقاعه في مغصوب، لا خارجاً أو جعله مصبّاً أو اغترف منه كآنية النقدين، لا أن غسلها فيها».
وشرحه ابن مفلح الصيمري (كشف الالتباس ١: ١٦٨) بقوله: «أقول: هنا مسائل:
الاولى: يبطل الوضوء في المغصوب؛ لكونه منهيّاً عنه، والنهي في العبادة يدلّ على الفساد.]
الثانية: لو ضاق الوقت وهو في المغصوب، جاز فعله وهو خارج، وأشار إليه بقوله: (لا خارجاً).
الثالثة: لو جعل المغصوب مصبّاً للماء المنفصل من أعضاء الطهارة، لم يبطل وضوؤه؛ لارتفاع الحدث قبل وقوع المنفصل في المغصوب، واستعمال المغصوب إنّما حصل بوقوع المنفصل فيه، وذلك خارج عن فعل الطهارة، فلا تكون الطهارة منهيّاً عنها، فتقع صحيحةً.
الرابعة: لو اغترف الماء المباح من المكان المغصوب، لم يبطل وضوؤه؛ لأنّ اغتراف الماء من المكان ليس جزءاً من الطهارة، والطهارة إنّما حصلت بعد انقضاء ذلك الاغتراف المنهي عنه، فتقع صحيحةً.
الخامسة: حكم آنية النقدين لو جعلها مصبّاً أو اغترف منها حكم المغصوب، تصحّ طهارته وإن فعل حراماً؛ لكون الفعل المنهي عنه غير مقارن لشيء من أفعال الطهارة.
أمّا لو غسل الأعضاء أو بعضها في الآنية المغصوبة أو آنية النقدين، فإنّ الطهارة تبطل؛ لمقارنة بعض أفعال الطهارة لاستعمال المنهي عنه، فيبطل ذلك البعض، وإذا بطل البعض، بطل الكلّ؛ لأنّ الكلّ عدم عند عدم جزئه، وإليه أشار بقوله: (لا أن غسلها فيها)».