الموسوعة الفقهية - موسسه دائرة المعارف الفقه الاسلامي - الصفحة ٢٨
فكان من الطبيعي أن يتخذ الحاكمون موقف المعارضة لا من مذهب الأئمة وفقهاء مدرستهم فحسب، بل ومن كل من ينقل عنهم الحديث مهما كان على درجة عالية من الورع والأمانة والعلم والتقوى كما تشهد بذلك كتب التاريخ والسير. كما كان من الطبيعي أيضاً تبنّي وترويج مذاهب اخرى واختلاق شخصيات كاذبة في قبال أهل البيت عليهم السلام أو إثارة الطعون والتشكيكات ضد أتباعهم وتراثهم الذي كان هو الامتداد الطبيعي والشرعي للتراث النبوي الطاهر.
٢- إنّ بعض المذاهب الفقهية العامة قد تبنّته السلطة الحاكمة واعتبرته المذهب الرسمي للدولة ونصبت علماءه في المناصب الدينية والرسمية وأجرت الأحكام والقضاء على أيديهم وجعلت المقرّرات على أساس من مذهبهم، وفرضت كل ذلك بالقوّة وعاقبت من كان يخالفه واعتبرته خارجاً عن الدين محروماً من الحقوق والامتيازات، فكان لهذا الأثر البالغ في استمرار تلك المذاهب وانتشارها مهما كان فيها من عناصر الضعف والخلل؛ فإنّ الناس على دين ملوكهم.
٣- إنّ نقل السنة النبوية عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام ومن واكبهم من الصحابة وإن كان منذ العصر الأوّل وقبل ظهور المذاهب الفقهية إلّا أنّ انتشارها الواسع وتدوينها وتصنيف المجاميع والصحاح فيها جاء متأخراً عن ذلك، كما هو واضح لكلّ من يراجع تاريخ تأليف تلك المجاميع. وهذا يعني أنّ الفتاوى والأحكام الشرعية في تلك المذاهب كانت مقرّرة ومفروغاً عنها قبل تجميع تلك الأحاديث والتي لم تكن كلها معروفة لدى أئمة المذاهب، وهذا يعني أنّ أكثر تلك الفتاوى لم تكن مستنبطة بعد الفحص عن جميع الأحاديث والاشراف الكامل عليها؛ لأنّها لم تكن مجتمعة عندهم، فمن المحتمل قوياً انّ اعتناق وتبنّي مؤلفي الصحاح والمجاميع الحديثية لمذهب فقهي معين كان له الأثر البالغ في جمع الأحاديث والروايات الأكثر مطابقة مع مذهبه الفقهي وعدم الاكتراث بما يخالفها، وهذا تماماً على عكس ما حصل في فقه الامامية- على ما سيأتي- حيث إنّ مرحلة الاجتهاد الفقهي بدأت فيه بعد أن تكاملت واجتمعت الأحاديث والسنن الصادرة عن المعصومين طيلة ثلاثة قرون ضمن اصول حديثية ومجاميع كبيرة ضمّت بين