الموسوعة الفقهية - موسسه دائرة المعارف الفقه الاسلامي - الصفحة ٢٧
وقال عروة بن الزبير [ت/ ٩٣ ه]- وهو الآخر كذلك-: ما زال أمر بني إسرائيل معتدلًا حتى نشأ فيهم المولّدون أبناء سبايا الامم فأخذوا فيهم بالرأي فأضلّوهم. ويقول الشعبي [ت/ ١٠٤ ه]: ما جاءكم به هؤلاء من أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم فخذوا به، وما كان من رأيهم فاطرحوه بالحش.
وكان الأوزاعي [ت/ ٥٧ ه] يقول: عليك بآراء من سلف وإن رفضك الناس، وإيّاك وآراء الرجال وإن زخرفوا لك القول. وقيل لأيوب السجستاني [ت/ ١٣١ ه] ما لك لا تنظر في الرأي؟
فقال: قيل للحمار: ما لك لا تجتر، قال: أكره مضغ الباطل. وذكر بكر بن مضر [ت/ ١٧٤ ه] عمّن سمع ابن شهاب الزهري [ت/ ١٢٤ ه] وهو يذكر ما وقع فيه الناس من الرأي وتركهم السنن، فقال: انّ اليهود والنصارى إنّما انسلخوا من العلم الذين كان بأيديهم حين استقلّوا الرأي وأخذوا فيه» [١].
بيد أنّه بقيت المذاهب الفقهية الاخرى- على الرغم من ذلك- سارية المفعول في التاريخ الاسلامي ومتبعة من قبل الناس، ولم تتوحد في اتجاه واحد يعتمد البيان الشرعي المتمثل في الكتاب والسنة الشريفة مصدراً للتشريع كما في مذهب أهل البيت عليهم السلام، وهذا الأمر له أسبابه ومبرّراته التاريخية، وأهمها:
١- الموقف السلبي للخلفاء والحكام من المنهج الذي نادى به أهل البيت عليهم السلام وما كان في ذلك المنهج من الخطر والتهديد لشرعيّة حكوماتهم، لا من جهة تأكيد تلك الأحاديث على مكانة أهل البيت عليهم السلام وإمامتهم وموقعهم الديني الرفيع فحسب، بل ومن جهة ما كانت تتضمنها الأحاديث من توضيح لسيرة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في قيادة الامّة وما يتطلبه تصدّر موقع الخلافة والقيادة الاسلامية من مؤهلات فائقة ودرجات عالية من الورع والتقوى والعلم والكفاءة وغير ذلك مما كان يفتقده اولئك الحكام، وأيضاً ما كانت ترسمه تلك الأحاديث من مسئوليات وواجبات صعبة للحكام تجاه الرعية والتي كانت على طرفي نقيض مع ما كان يمارسه اولئك،
[١] تاريخ الفقه الاسلامي: ٨٢. وانظر: الاحكام ٦: ٧٨٩. تاريخ مدينة دمشق ٣٥: ٢٠٠. الثقات (ابن حبّان) ٩: ١٥٩.