أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك - خير الدين التونسي - الصفحة ٢٥٩ - الفصل السابع في القوّة المالية و العسكرية
في كلّ سنة و توجّه الوالي لدار الخلافة عند ولايته و أن لا يعطي شيئا من أراضي المملكة لأجنبي إلّا بترخيص من الدّولة و أن تكون ولاية المتوظّفين في المراتب العالية عن إذن السّلطان إلى غير ذلك. و قد وقع أوّل اجتماع للمجلس المصريّ المشار إليه في نوفمبر سنة ثلاثة و ثمانين و مائتين و الف هجرية [٩٧] و لا يمترى أنّ ذلك ممّا يحصل به إن شاء اللّه الفوائد الجمّة لسكّان تلك البلاد إذا قام أهله بواجباتهم و عرف أهل المملكة مواقع الانتخاب من أهل الفضل و المروءة و التجربة و الفطنة و الغيرة على الوطن كي لا يغترّوا بزخارف أرباب الأغراض و يعرضوا عن دسائسهم كلّ الأغراض و استمرّ أميرهم الدّاعي إلى هذا التّعاضد من تلقاء نفسه على التزام العمل بما يتّفق عليه أهل المشورة إلى غير ذلك ممّا يجب اعتباره في إنجاح هذا السّعي الحميد العواقب. [٩٨]
[٩٧] ١٢٨٣ ه- ١٨٦٦ و الأيّام الأولى من ١٨٦٧. الملاحظ أن خير الدين يستعمل في آن واحد نوفمبر و يؤرّخ السّنة بالهجري، ممّا يدلّ على أنّه يعتمد غالبا أصولا إفرنجية.
[٩٨] إنّ الصورة التي قدّمها خير الدّين حوالي سنة ١٨٦٧ عن الخلافة العثمانية هي صورة دولة إسلامية لا همّ لها إلّا إعادة تنظيم شؤون بيتها الدّاخلية عن طريق التنظيمات و تمكين الشعوب النصرانيّة البلقانية من حكم أكثر ليبرالية، واضعة بذلك حدّا نهائيّا لسياسة الفتوحات و التوسّع و توطيد نفوذها خارج حدودها، خاصّة و هي مهدّدة بسياسة روسيا التوسّعية و مدينة بالنّجاة المؤقتة للتدخّل العسكري الإنكليزي الفرنسي في حرب القرم (١٨٥٣- ١٨٥٦) هذه النظرة أو الرؤية جعلت منه الخبير التّونسي الأوّل بشؤون الخلافة و الباب العالي في ذلك الوقت و لا غرابة في أن توكل إليه فيما بعد أدقّ المهمّات في خصوص العلاقات التّونسية مع الباب العالي.