أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك - خير الدين التونسي - الصفحة ٢٠٦ - الدكتاتورية بأوروبا
المفضى إلى عدم قمع المفسدين، و مدافعة المتسلّط الأجنبي، أو إلى تأخير ذلك عن وقت الحاجة، فعند ذلك يطلب مجلس السناتو من أحد رئيسي الدولة الجمهورية أن يختار من أعيان رجال المملكة من يسمّيه باسم دكتتور (أي مطلق التصرّف) تفوّض إليه إدارة المملكة بما يظهر له بمقتضى اجتهاده، كعمل الحرب و الصلح، و نفي أو قتل من يراه من أهل الفساد و الخيانة، أو عقابه بأخذ المال، أو غير ذلك ممّا يقتضيه الحال.
و لا يتوقّف نفوذ حكمه على موافقة أحد إلّا في أمر المجابى، فإنّ أعماله فيها موقوفة على موافقة مجلس السناتو. و كلّ من له مأمورية عسكرية أو سياسية فهو ملزم بتنفيذ أوامره، و كذلك سائر الأهالي.
و لا يتجاوز التفويض المذكور ستّة أشهر،- و لو كان السبب باقيا إلّا بتفويض جديد. كما أنّه إذا ارتفع السبب فبل انتهاء المدّة فإنّ التفويض ينتهي، و ترجع الإدارة إلى قوانينها.
و عند خروج المفوّض له تتوجّه إليه المسؤولية اللازمة لكلّ من يخرج من خطّة معتبرة عندهم، فيطلب منه بيان السبب الداعي إلى ما تصرّف به من قتل و حرب و صلح و أخذ مال، و نحو ذلك، بمحضر أهل رومية المجتمعين لذلك. فإن صوّبوا تعليله استوجب شكرهم و ثناءهم على سيرته في موكب مخصوص، و إن كانت [٨٨] الأخرى يحكم عليه بما يناسب سوء تصرّفه.
و أكثر ما يكون ذلك بالنفي من التخت، أو أداء المال.
ثمّ إنّ الأوروباويين صاروا في المدّة الأخيرة بطلقون اسم الدكتتور على كلّ وال مطلق التصرّف سواء كان محدودا بمدّة أم لا كالجنرال كرونول [٣٠٤] بأنكلترة، و نابليون الأوّل بفرنسا، و غيرهما ممّن كان استبداده من آثار حيرة تثور بالمملكة يشتهر فيها المشار إليه بمزيد الدراية و الحزم، فينصبّ نفسه
[٣٠٤]Olivier Cromwell (١٥٩٩- ١٦٥٨).