أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك - خير الدين التونسي - الصفحة ٢٦ - الأسباب الداعية للتأليف
هو كتاب نابع في اعتقادنا من تجربة تونسية بحتة حقّ لنا أن نتساءل عن الأصول البعيدة لهذه الكوارث؟
١) تونس المحروسة:
إنّ المطالع للجزء الثالث من إتحاف ابن أبي الضياف يلمس أن المجتمع التونسي قبل القرن التاسع عشر كان مجتمعا مستقرّا متوازنا في كنف ضرب من القرار أساسه تقادم الهياكل و الاكتفاء الذاتي، فكان الاقتصاد فلاحيا يفي بحاجات السكّان و مقتصرا على الاستهلاك و أمّا المجتمع فكان لا يتجاوز عدده مليون نسمة خمسهم في العاصمة إلى جانب التونسيين و المهاجرين الأندلسيين و اليهود و النصارى. و لم يتجاوز عدد النصارى الخمس عشرة ألف نسمة. و كان مجتمع القرى و الأرياف مكوّنا من عرب تونسيين و هم الأغلبية الساحقة و بعض آلاف من البربر موزّعين في الجنوب التونسي.
و على هذا الأساس، فلا مناصّ، إن نحن أردنا أن ندرس هذا المجتمع دراسة صحيحة، من الالتفات إلى الأغلبية الساحقة المكوّنة له و المسمّاة بالعروش أو القبائل: كانت هذه العروش مرتكزة على أصول ثلاثة: العائلة و الأرض و الدين. فالفرد ينتمي إلى العرش عن طريق العائلة الصغيرة بواسطة الطريقة الصوفية التي بسّطت التعاليم الإسلامية إلى حدّ الخرافات و الأباطيل أحيانا و لكن الرابط الأوّل و الحقيقي بين الفرد و العرش يبقى الأرض، فكان العرش يمتلك الأراضي الشاسعة التي يعمل فيها صغار الفلّاحين من أبناء العرش، و كان الاقتصاد قائما على الفلاحة و الملكية الصغيرة للعائلة و تربية الماشية و التجارة البسيطة المتمثّلة في تبادل العروش بضائع مكمّلة لاقتصاد فلاحي يفي بحاجيات الجميع. و لم يكن لهذه العروش من اتّصال بالدولة إلّا عند دفع الضرائب التي أخذت قيمتها تتزايد، رغم ضعف المستوى التقني لهذا الاقتصاد الفلاحي.
كذلك كان الشأن، أو يكاد، بالنسبة إلى العاصمة و المدن الساحلية التونسية.
فعلاوة على المهن التقليدية و خاصّة صناعة الشاشية التي بلغت من الإتقان