أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك - خير الدين التونسي - الصفحة ١٥٦ - خاتمة الشريعة لا تنافي تأسيس التنظيمات
فبان بهذا أنّ المصاريف البالغة التي تكلّف المملكة ما لا طاقة لها به إنّما تكون في حالة الاستبداد، و أنّ الاقتصاد الذي هو منشأ خيرها إنّما يحصل بضبط سائر التصرّفات بقيود التنظيمات.
و في هذا المقدار كفاية لمن تبصّر في الفرق بين الحالتين.
و لو أطلقنا عنان القلم في بيان حال بعض الدول في مصاريفها، و في سيرة المباشرين لها قبل تأسيس [٤٩] التنظيمات و معها و بعدها حين تيسّر تعطيلها لأهل الأغراض و الشهوات من أرباب الخطط، و رجعوا للتصرّف بلا قيد و لا احتساب بإعانة أمثال هذا القادح، لتبيّن أنّ قلّة معرفته بنتائج التنظيمات هي التي غرّته و أغرته على القدح فيها بمثل ما أسلفناه، و على إعانة الساعين في تعطيلها لفوائدهم الخصوصية المضرّة بالدولة و المملكة، لكن سعة مجال الكلام في ذلك تخرجنا عن المقصود.
هذا و إذا كانت الدولة العثمانية التي هي مركز الخلافة الإسلامية مع ما أشرنا إليه سابقا من العوائق الخاصّة بها، لم تزل مجتهدة في رفع تلك العوائق اجتهادا يرجى منه تمام نجاحها، بتأسيس ما يتمّ به خير ممالكها، و حفظ حقوق رعاياها، فغيرها أحرى و أولى لانتفاء تلك العوائق عنها، فلا يظهر لملوكها سبب قوي في الامتناع إلّا حبّ الاستبداد الموصل للشهوات.
ثمّ نقول كما كان ترتيب التنظيمات واجبا على من تقدّم بمراعاة حال الوقت، فمن اللّائق أيضا بمن يدّعي من الدول الأوروباوية المتمدّنة حب الخير للنوع الإنساني أن يعينوا في هذا الشأن، و لو بالكفّ عن التعطيل، خصوصا من له فائدة في دوام استقلال الأمّة الإسلامية.
٤١- خاتمة: الشريعة لا تنافي تأسيس التنظيمات:
هذا ما دعت الحاجة إلى تحريره من أسباب التّقدّم و التّأخّر للأمّة الإسلامية، ملخّصا جلّه من الكتب الإسلامية و الإفرنجية. و به يعلم من لا خبرة له بأحوال