أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك - خير الدين التونسي - الصفحة ٤٨ - تحليل مقدّمة أقوم المسالك
إلى التساؤل عن أسباب تأخّر المسلمين و تقدّم الغربيين. فعالج في مقدّمة أقوم المسالك مشاكل ثلاث حاول أن يجد لها حلولا و هي ضرورة الاقتباس عن الغرب المتحضّر، مدعّما ذلك بالحجج النقلية و العقلية، و وجوب تغيير نظام الحكم المطلق السائد في بلاد المسلمين على أساس إحياء القيم الإسلامية الخالدة و جعلها ملائمة للعصر، مع الإلحاح على أنّ هذين الإصلاحين يرميان إلى غرض أسمى و أهمّ و هو ضرورة الخروج بالمجتمع العربي الإسلامي من مجتمع تقليدي متقادم مهدّد بالانهيار و الابتلاع من قبل الغرب المستعمر إلى مجتمع رأسمالي عصري أصيل.
فعلى هذا الأساس، كان منطلق التفكير عند خير الدين الوضع الاقتصادي المتأزم بتونس التي هي صورة مصغّرة للخلافة العثمانية و الغاية التي يرمي إليها هي إصلاح هذا الوضع عن طريق التنظيمات السياسية و في نطاق شريعة إسلامية متجدّدة ملائمة لأحوال العصر.
١) ضرورة الاقتباس عن الغرب:
أ) جواز الاقتباس:
و إذ بات من الثابت أن تأخّر المسلمين أصبح لا جدال فيه عمد في كتابه أقوم المسالك إلى تحليل أسباب التقدّم الغربي مدعّما ذلك بعشرين أنموذجا أوروبيا (العشرين بلدا التي وصفها) و مقدّما لذلك بمقدّمة افتتحها بفصل هو من الجرأة و الواقعية بمكان و هو مطلب ما يسوّغ موافقة غير المسلم في الأفعال المستحسنة. فمنطلق الإصلاح عنده المقارنة و الحوار و التفتّح مذيّلا هذه المقدّمة بفصلين هامّين و هما «التمدّن الأوروباوي» و «تلخيص المكتشفات و الاختراعات الأوروبية».