أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك - خير الدين التونسي - الصفحة ١٥٤ - أصناف الموظفين
٣٩- أصناف الموظّفين:
و بيان ذلك أنّا نرى المتوظّفين في الممالك الإسلامية على ثلاث فرق:
الفرقة الأولى يستحسنون ترتيب التنظيمات استحسانا صادقا و يؤثرون ما تنتجه من الهمّة و الحريّة، و توفير مصالح الرّعيّة، على ما عسى أن يكتسبوه بالاستبداد من المنح الخصوصية.
الفرقة الثانية يجهلون مصالح التنظيمات بحيث لا يرون كبير فرق بينها و بين السيرة الاستبدادية، بل يعدّونها من بدع آخر الزمان، و يؤثرون عليها البقاء على ما كان، و لا منشأ لذلك إلّا القصور، و عدم الاطّلاع على نتائج التنظيمات في غالب المعمور.
الفرقة الثالثة لا يجهلون مصالح التنظيمات و توفيرها لخير البلاد و الدولة و لكنّهم يؤثرون على ذلك فوائدهم الشخصيّة التي تتوفّر لهم بالاستبداد، و لا منشأ لذلك إلّا نقص الديانة و الهمّة الإنسانية، و عدم ملاحظة العواقب الدنيوية و الأخروية.
إذا تمهّد هذا فنقول: إنّ التنظيمات و إن بلغت بحسن الترتيب و التهذيب غاية المطابقة لمقتضى الحال، لا تظهر فائدتها المقصودة من تأسيسها إلّا إذا كان المكلّفون بإجرائها من الفرقة الأولى، فهم الذين توكل مصالح العباد إلى أمانتهم، و يعتمد في تأسيسها و تمشيتها على إعانتهم. و أمّا الفرقتان الأخيرتان فلا يحصل من تكليفهما إلّا خلاف المقصود، لا سيّما الفرقة الثالثة لمزيد انبعاث همّتها إلى تعطيل التنظيمات.
فعلى الدولة التي عزمت على تأسيسها إذا علمت ما ذكر من أحوال الفرقتين المذكورتين أن لا تنيط بأمانتها حفظها و لا إدارتها، حتّى يثبت عندها بالتجاوب صدق رجوع الأولى إلى استحسانها بالقلب و القالب، و إيثار الأخيرة المصالح العمومية على الحظوظ الشخصية، و اكتسابها المروءة الإنسانية، [٤٨] المانعة من قبول الإنسان خطة لا يباشرها بصدق نيّة.