أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك - خير الدين التونسي - الصفحة ٤٩ - تحليل مقدّمة أقوم المسالك
فالقضيّة عنده هي التمدّن أوّلا و آخرا و هو بمثابة الحكمة «و الحكمة ضالّة المؤمن يأخذها حيث وجدها» و من سيضطلع بإنجاز هذا التمدّن هم رجال السياسة و رجال الدين من المسلمين لذلك عمد في تقرير هذه الضرورة إلى حجج عقلية و نقلية:
يقول خير الدين: «لا يتهيّأ لنا أن نميّز ما يليق بنا، على قاعدة محكمة البناء، إلّا بمعرفة أحوال من ليس من حزبنا لا سيّما من حفّ بنا و حلّ بقربنا» [١٦].
«مع الإشارة إلى ما كانوا عليه في العهد القديم و بيان الوسائل التي ترقّوا بها في سياسة العباد، إلى الغاية القصوى من عمران البلاد» [١٧].
و هو لا ينفكّ يحذّر المسلمين من مغبّة الإعراض عن الاقتباس قائلا:
«تحذير ذوي الغفلات من عوامّ المسلمين عن تماديهم في الإعراض عمّا يحمد من سيرة الغير الموافقة لشرعنا بمجرّد ما انتقش في عقولهم من أنّ جميع ما عليه غير المسلم من السير و التراتيب ينبغي ان يهجر و تآليفهم في ذلك يجب أن تنبذ و لا تذكر. حتى أنهم يشدّدون الإنكار على من يستحسن شيئا منها و هذا على إطلاقه خطأ محض» [١٨].
و يورد هنا حججا نقلية عديدة تدحض هذا الزعم و هذا الخطأ في التفكير نقتصر على واحدة منها:
و في سنن المهتدين للعلامة الموّاق المالكي ما نصّه: «إنّ ما نهينا عنه من أعمال غيرنا هو ما كان على خلاف مقتضى شرعنا أمّا ما فعلوه على وفق الندب أو الإيجاب و الإباحة فإنّا لا نتركه لأجل تعاطيهم إيّاه لأنّ الشرع لم ينه عن التشبّه بمن يفعل ما أذن اللّه فيه» [١٩].
[١٦] أنظر أسفله: ص ١١٦.
[١٧] أنظر أسفله: ص ١١٨.
[١٨] أنظر أسفله: ص ١٢٠.
[١٩] أنظر أسفله: ص ١٢١.