أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك - خير الدين التونسي - الصفحة ١١٦ - عواقب الاستبداد و العمل بالرأي الواحد
١٥- عواقب الاستبداد و العمل بالرأي الواحد:
و ممّا يناسب سوقه هنا ما ذكره المؤرّخ الشهير (تيارس) [٥٢]- أحد أعضاء مجلس النوّاب بفرنسا الآن، و كان وزيرا للملك لويز فليب- [٥٣]، في آخر تاريخه المشهور- عند ذكر عواقب الاستبداد- من أنّ العمل بالرأي الواحد مذموم، و لو بلغ صاحبه ما بلغ من الكمالات و المعارف، بعد ما ترجم لنابليون الأوّل بأوصافه الخاصّة، و ألحقه في السياسة بأفراد الرّجال الذين جاد بهم الدهر في القرون الماضية. حتّى وصفه بهمّة إسكندر الرومي، و قيصر الروماني، و ذكاء أنيبال الإفريقي و معارفه الحربية، إلى أن قال- مخاطبا للفرنسيين:
«تعالوا نمعن النظر في أفعال هذا الملك التي هي في الحقيقة أفعالنا، فيستفيد منها من كان جنديّا كيف ينبغي أن تقاد الجيوش، و من كان من رجال الدولة معرفة كيف ينبغي أن تكون إدارة المملكة، و كيف ينبغي أن يرتفع شأنها بدون خروج عن دائرة التواضع و الرفق، إذ المعاملة متى لم تكن مصحوبة برفق و قناعة لا تتحمّل، و ربّما يفضي ذلك إلى أسباب الاضمحلال، كما أفضت إليها سيرة المذكور الذي هو أقلّ البشر قناعة».
«فبالجملة نعتبر بغلطاته فنتجنّبها، ثمّ نستفيد- معاشر أبناء الوطن- تربية أخيرة لا يسع نسيانها، و هي أنّه لا يسوغ أبدا أن يسلّم أمر المملكة لإنسان واحد، بحيث تكون سعادتها و شقاوتها بيده، و لو كان أكمل الناس و أرجحهم عقلا، و نحن و إن كنّا لسنا ننتقد فعل نابوليون في افتكاك فرنسا من أيدي
[٥٢] تيارس:THIERS (١٧٩٧- ١٨٧٧) من رجال السياسة و الأدب في فرنسا ساهم في إرجاع الملوكية سنة ١٨٣٠ و سمّي وزيرا للداخلية (١٨٣٢- ١٨٣٤) و رئيسا للوزراء (١٨٣٦- ١٨٤٠). من تآليفه: تاريخ القنصلية و الإمبراطوريةHISTOIRE DU CONSULTAT ET DEL'EMPIRE و هذه الصفحة مقتطفة من آخر الجزءXX .
[٥٣] لويز فيليب:LOUIS PHILIPPE ملك فرنسا- ١٨٣٠- ١٨٤٨) كان محافظا في سياسته و استوزر تيارس و قيزو.