أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك - خير الدين التونسي - الصفحة ٤١ - تحليل مقدّمة أقوم المسالك
(III تحليل مقدّمة أقوم المسالك
أوّل ما يلفت انتباه المطالع لهذه المقدّمة هو أنّها تحليل ذاتي للحضارة الإسلامية. فخير الدين في حديثه عن الحضارة العربية الإسلامية و في إحالاته على الحضارة اليونانية و الرومانية و الأوروبية يعتقد اعتقادا راسخا أن الرابط الذي يربط بين كلّ هذه الحضارات إنّما هو التمدّن: في هذا المحيط تنزّلت لديه قضيّة إصلاح نظام الحكم بالبلدان العربية الإسلامية و قضيّة الاقتباس من الغرب في القرن التاسع عشر، بالنسبة إلى مجتمع أقرّ أهله و غير أهله بما هيمن عليه من تراجع و انحطاط.
و منذ الصفحات الأولى من المقدّمة يبسط خير الدين هاتين المشكلتين:
«إن الباعث الأصلي على ذلك، يعني تاليف كتابه» أمران آيلان إلى مقصد واحد:
أحدهما إغراء ذوي الغيرة و الحزم من رجال السياسة و العلم بالتماس ما يمكّنهم من الوسائل الموصلة إلى حسن حال الأمّة الإسلامية و تنمية أسباب تمدّنها بمثل توسيع دوائر العلوم و العرفان و تمهيد طرق الثروة من الزراعة و التجارة و ترويج الصناعات و نفي أسباب البطالة و أساس جميع ذلك حسن الإمارة المتولّد منه إتقان العمل المشاهد في الممالك الأوروبية بالعيان و ليس بعده بيان.
ثانيهما تحذير ذوي الغفلات من عوامّ المسلمين من تماديهم في الإعراض عمّا يحمد من سيرة الغير الموافقة لشرعنا بمجرّد ما انتقش في عقولهم من أن