أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك - خير الدين التونسي - الصفحة ٦٤ - تحليل مقدّمة أقوم المسالك
إلّا أنّه اعتمادا على الواقع الحقيقي و الموضوعي لبلدان العالم العربي الإسلامي في عصره، قد لا يمانع في أن تسطّر حدود لهذه الحريّة السياسية:
«نعم من الواجب على مؤسّس أصول الحريّة السياسية اعتبار حال السكّان و مقدار تقدّمهم في المعارف ليعلم بذلك متى يسوغ إعطاء الحريّة التامّة و متى لا يسوغ» [٧٩].
ثمّ إنّه يرى وجوب التحرّي في اعطاء الحريّة لجميع رعايا الخلافة العثمانية دون ميز، إذ يوجد فيها من الأجناس و الطوائف من تحدّثه نفسه «بالتفصّي عن سلطة الدولة العثمانية ... لذلك لا يمكن تأسيس مجلس منتخب من جميع الرعايا الآن .. و أنّ ما ذكرناه لا يرفع عنها (أي الدولة العثمانية) وجوب الاجتهاد في قطع تلك العوائق» [٨٠].
و بعد هذه الاحترازات، يصدع خير الدين برأيه، ردّا على من يدّعون أنّ بلدان الخلافة العثمانية لم تبلغ بعد سنّ النضج حتّى تتمتّع بالحريّة.
«ثمّ لو سلّم عدم القابلية للتنظيمات و أنّ الأمّة كما يزعمه أولئك القادحون بمثابة الصبيّ غير الرشيد الذي يلزم التقديم عليه فهل ينهض لهم دليل على جواز أن تكون تصرّفات المقدّم خالية من مراعاة مصلحة المقدّم عليه و هل تتيسّر تلك المراعاة بدون احتساب مؤسّس على الشرع؟» [٨١].
ب- الحريّة شرط لازدهار الاقتصاد:
فالحريّة، شخصية كانت أم سياسية، مآلها الأمن على الملكية الخاصّة و متى توفّر الأمن في مجتمع رأسمالي مثلما يدعو إليه خير الدين ازدهر الاقتصاد و كان العمران. فالحريّة هي الشرط الأوّل و الأخير لكلّ ازدهار
[٧٩] المصدر نفسه، ص ١٨٠.
[٨٠] المصدر نفسه، ص ١٧٠.
[٨١] المصدر نفسه، ص ١٨٠.