أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك - خير الدين التونسي - الصفحة ٢٢٦ - الفصل الثاني في أصول الدولة العلية
الفصل الثاني في أصول قوانين الدّولة العليّة [١٩]
قد سلف في المقدّمة أن المرحوم المنعّم السّلطان الغازي عبد المجيد خان [٢٠] استدرك الخلل في سياسة [٢١] الدّولة بضبطه [٩٣] للسّياسات الشرعيّة [٢٢]
[١٩] إنّ خير الدّين و من قبله المصلحون العثمانيون منذ العقد الرّابع من القرن التّاسع عشر متأثّر إلى حدّ بعيد بمقدّمة ابن خلدون و بمصطلحاته. فالفرق عنده جوهريّ بين الملك و الخلافة فهذه نظام انبنى أساسا على الدّين و انتهى مع آخر الخلفاء الرّاشدين و انقلب الأمر إلى ملك متأسّس على العصبية و معتمد على الشوكة الظّاهرة. أنظر: أحمد عبد السّلام، المرجع المذكور، دراسات، ص ٥٢.
[٢٠] عبد المجيد خان الأوّل: دامت سلطته من ١٨٣٩ إلى ١٨٦١. في عهده وقع الإعلان عن التنظيمات في نوفمبر ١٨٣٩ و اندلعت حرب القرم (١٨٥٣- ١٨٥٦) و لئن تخلّل عهده حروب و ثورات في بعض الولايات فلقد قام بإصلاحات قانونيّة و تربويّة (المدارس الاعداديّة و الرّشيدية ابتدائية عالية) و المكتب العثماني كما قام بإصلاحات ماليّة و استشفائية. كان أوّل سلاطين بني عثمان الذي تعلّم لغة أجنبية (الفرنسية (تولّى الصّدارة العظمى في عده مصطفى رشيد باشا و خسرو باشا. دائرة المعارف الإسلامية، ط. ٢، م.I ، ص ٧٧.
[٢١] سياسة (الدولة) مصطلح خلدوني أساسي في التفكير عند المصلحين في القرن التاسع عشر:
يدلّ على ظاهرة ملازمة للملك العامّ و الكامل أو الدولة ... تعاضد «الغلبة» إذا تمّت، بكشف الطرف لحفظ العصبيّة و هي «السياسة الضيّقة»- و باستمالة مختلف أصناف النّاس و القائمين بالوظائف الاجتماعية- ... حتّى يلتفّوا حول الملك و تلك «السياسة العامّة» ... فهي حسن الملكة بين الرّاعي و الرّعيّة و هي رفق و أناة و تقييم صحيح لقوى الإنسان ...» أحمد عبد السّلام، دراسات في مصطلح السّياسة عند العرب، ص ٢٥. أمّا عند خير الدّين خاصّة، أنظر: ص ص ٢٦- ٣٠ فهو مصطلح كثير التّرداد (أكثر من ١٠٠ مرّة) في أقوم المسالك يدلّ على «حسن الإمارة» و تدبير أمور الدّولة بمقتضى الدّين و العقل.
[٢٢] السياسات الشّرعيّة: السّياسة تأتي موصوفة بدورها: و غالب العبارات التي جاءت فيها السّياسة موصوفة بدينية أو شرعيّة أو مفروضة أو عقلية أو معقولة مستمدّ من مصطلح الفقهاء أو من مقدّمة ابن خلدون و تنتسب في ظاهرها إلى المنقول، غير أنّ المتأمّل فيها و في الحجم الذي اشتملت عليه يتفطّن دون كبير عناء إلى أنّ خير الدّين اتّخذ أحيانا النّقل ذريعة لإدخال مفاهيم حديثة في إطار عتيق، كالشاعر الفرنسي الذي كان ينظم معاني عصريّة في شعر قديم الصيغة. و هي محاولة شارك فيها خير الدين كثيرا من المصلحين المسلمين في عصره: فهو يروي لنا أنّ العالم التركي أحمد عارف باي (١٢٠١- ١٢٧٥/ ١٧٨٦- ١٨٥٩) بيّن للنّاس الذين التبس عليهم أمر التّنظيمات التي سنّت في عام ١٨٣٩ أنّ تلك التنظيمات: «ما هي إلّا ضبط للسّياسات الشرعيّة التي كانت أهملت» و يكمل هذا التدقيق ابن أبي الضياف إذ يقول: «فروع القانون إمّا شرعيّة بالنصّ ... أو من السياسة الشرعية التي حقيقتها الفصل الذي يكون معه الناس أقرب إلى الصّلاح و أبعد عن الفساد، و إن لم يضعه شرع و لا نزل به وحي» ... و نعت السياسة بالشّرعية يشير إلى أنها عند المصلحين من سلوك الإسلام تراعي الأحوال الشرعية و مقاصد الشّريعة و لا تناقضها». أحمد عبد السّلام نفس المرجع، ص ٣٢.