أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك - خير الدين التونسي - الصفحة ٣٤٧ - رأي خير الدّين في الديون
فإن الأولى تدفع من اثنين و نصف في المائة إلى ثلاثة و نصف و الثّانية من أربعة و نصف إلى خمسة في المائة فائدة لمن تقترض منه سواء كان من الأهالي أو من الأجانب لأن صحّة معاملتهما و حسن إدارتهما كالكفيل بالدّين.
و من الدول ما تكون فائدة ديونه ستّة في المائة و منها ما تكون سبعة و منها ما تكون عشرة و منها ما لا طمع له في الاقتراض أصلا حيث تكون معاملته في حيّز السقوط و عدم الاعتبار في أنظار أرباب الديون.
ففوائد دين كلّ دولة عنوان على حسن إدارتها و معاملتها [٨٩] و بهذا التقرير يعلم أسباب و فوائد الدّيون الكثيرة التي على دول أوربا [١٧٥].
[٨٩] ليست هذه الفقرات السابقة مجرّد استطراد للتنويه بسياسة القروض المعتمدة في فرنسا و أنكلترا و إنّما هي في الحقيقة تلويح إلى ما كان جرى بتونس منذ أوائل الخمسينات في القرن التّاسع عشر: فلقد لعب الجنرال خير الدّين دورا أساسيا في الحياة السياسية بتونس و كلّف منذ ١٨٥٣ إلى ١٨٥٧ بمهمّة دقيقة جدّا و هي الدفاع عن الدولة التونسية في قضية تهريب الأموال التونسيّة إلى فرنسا من قبل محمود بن عيّاد، المكلّف بالمالية. كما كلّف بعقد اقتراض في فرنسا و لكّنه ماطل في ذلك و لم يعقده.
و في سنة ١٨٦٠ كان دين الحكومة التونسية يقارب ١٩ مليون ريال بينما الميزانية لا تتعدّى ١١ مليونا من الريالات. و أمام سياسة التبديد للأموال العمومية و السرقات التي كان يقودها الوزير الأكبر مصطفى خزنهدار تحت غطاء الإصلاحات و الإنجازات العصريّة، كان خير الدّين متزعّما لفئة من سراي الباي تعارض الاقتراض من أوروبا، مهما كانت فائدة الاقتراض، و في ربيع سنة ١٨٦٢، كاد مصطفى خزنه دار أن يمضي عقدا بالاقتراض الخارجي بفائدة ١٢% اثني عشر في المائة و هي فائدة مجحفة جدّا. فعارض خير الدّين و جماعته هذا العزم و أقنعوا الصادق باي على اقتراض داخلي قدره ١٥ مليون من الريالات بفائدة ١٢%.
و أمام هذه المعارضة توصّل الوزير الأكبر مصطفى خزنه دار إلى إزاحة خير الدّين عن كلّ مسؤولياته في ديسمبر ١٨٦٢ و نظرا إلى علاقات المصاهرة معه كلّفه ببعض المهمّات الديبلوماسية خارج الإيالة.
و أمضى عقدا بالاقتراض سنة ١٨٦٣ قدره ٢٥ مليونا من الريالات و عقدا ثانيا سنة ١٨٦٥ قدره ٢٧ مليونا من الريالات بفائض يتراوح بين ٧ و ١٢%.