أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك - خير الدين التونسي - الصفحة ٢٧٨ - الفصل الأول في تاريخها
معاملة سيئة. فمن لم يعجّل بدفع ما يطلب منه فقد عرّض ماله للتّلف و بدنه للسّجن و ما كانوا يرتزقونه بعرق الجبين يدفعونه في مصالح الطّبقة العليا من الأعيان ثمّ يدافعون عنهم بأنفسهم.
و أقلّ شقاوة من هؤلاء أهل الصّناعات فإنّهم لعدم الملك عندهم لا يلزمهم من الأداء ما يلزم غيرهم من أرباب الأملاك لكنّهم لا يحصلون على شيء من المنح التي يستحقّونها بتزيينهم المملكة بنتائج أفكارهم و تحصيلهم لها بذلك ثروة و شهرة بين الممالك.
و كانت الأعيان تتولّى الأحكام في بعض إيالات المملكة الرّاجعة لهم و أمّا الإيالات التي لم يكن بينها و بين الخطّة الملكيّة واسطة فكانت الخطط بها تباع و تشترى.
و كان فصل الأحكام في الكلّ بطيئا و في الغالب يترجّح في الحكم جانب من وفر العطيّة و كثيرا ما يتراضى الخصمان على ترك المخاصمة بالمرّة أخذا بالأصلح لهما لكثرة المصاريف.
و في نوازل الجنايات كانت العامّة تعامل بالغلظة و الفظاظة بخلاف غيرهم حيث كانت رسوم الحريّة الشخصيّة [٢٧] عند حكّامهم منهوكة بحيث لا يراقبون في الإنسان إلّا و لا ذمّة.
ثمّ المطابع كانت تحت نظر رقباء من جانب الدّولة بحيث لا يرخّصون لأحد في طبع ما لا يستحسن عندهم.
و بالجملة لم يكن للعامّة حقّ عندهم و لا حرمة كما لم يكن للسلطة الملكيّة حدّ تقف عنده و لا نهاية فأحوال فرنسا في ذلك الوقت كانت مرتبكة بدون تقييد و لا تنظيم.
[٢٧] الحريّة الشخصيّة: مصطلح هامّ ورد الحديث عنه في مقدّمة أقوم المسالك». أنظر: برنار لويس، [المرجع نفسه]، صص ١٦٩- ٢٠٧.