أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك - خير الدين التونسي - الصفحة ٣١ - الأسباب الداعية للتأليف
الحقيقة دعامة الحكم القهري- الجيش- الذي رتّب له مكتبا حربيّا سنة ١٨٤٠ ممّا إنجرّ عنه ضياع ثلثي مداخيل الدولة. و بذلك استتبّ له الأمر لتخريب الاقتصاد تخريبا و لإرضاء شهواته في شتّى مذاهب السرف من بناء القصور كقصر المحمّدية و اشتراء أسطول بحري (٦ بواخر) و تجهيزه و اقتناء البضائع الكمالية من أوروبا لتجهيز قصوره و قصور كبراء الدولة إلى جانب اقتناء الخمور و الحرير و فاخر اللباس.
و المطالع للباب السادس من الإتحاف لابن أبي الضياف يجد تفصيلا لهذا الاسراف [٩].
و لئن كان ابن أبي الضياف يحمّل تبعية هذا الانهيار و هذه الأزمة المالية المشير الأوّل أحمد باي. فإنّا نذهب إلى أنّ الحائك لخيوط هذه المأساة إنّما هو الوزير مصطفى خزنة دار، الذي أثرى إثراء فاحشا هو و أتباعه من كبراء الدولة بعد حمل البايات على انتهاج سياسة الإسراف.
يظهر ذلك جليّا عند تولّي المشير الثاني محمّد باي (١٨٥٥- ١٨٥٩) الذي امتاز عهده بإنشاء بدعة جبائية أخرى سنة ١٨٥٦ ضريبة «المجبى» و قدرها ٣٦ ريالا [١٠] و هي ضرب من الجزية يدفعها كلّ تونسي بلغ سنّ الرشد.
في هذا المحيط المتأزّم تنزّلت قضيّة التنظيمات بتونس في مرحلتها الأولى و هي الإعلان عن عهد الأمان سنة ١٨٥٧ [١١] و مرحلتها الثانية هي الإعلان عن الدستور سنة ١٨٦١ و لا شكّ أنّ المصلحين التونسيين استبشروا بها و عملوا بقسط وافر على دعمها.
[٩] اتحاف،VI ، ١١١- ١١٢ قانياج: أصول الحماية، ط. ١٩٥٩، ص ١٧٧- ١٨٥.
[١٠] يساوي الريال آنذاك: ٠، ٦ فرنكا.
[١١] و هو يكاد يكون نسخة طبق الأصل لخطّ شريف كلخانة الذي أعلنت عنه الخلافة العثمانية سنة ١٨٣٩.