أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك - خير الدين التونسي - الصفحة ١٩٢ - حرية المطبعة
٦٦- الحريّة السياسية:
المعنى الثاني، الحريّة السياسية، و هي تطلب الرعايا التداخل في السياسات الملكية، و المباحثة فيما هو الأصلح للمملكة على نحو ما أشير إليه بقول الخليفة الثاني عمر بن الخطاب- رضي اللّه عنه-: «من رأى منكم فيّ إعجوجا فليقوّمه»، يعني انحرافا في سياسته للأمّة و سيرته معها.
و لمّا كان إعطاء الحريّة بهذا المعنى [٧٥] لسائر الأهالي مظنّة لتشتيت الآراء و حصول الهرج، عدل عنه إلى كون الأهالي ينتخبون طائفة من أهل المعرفة و المروءة تسمّى عند الأورباويين بمجلس نوّاب العامّة، و عندنا بأهل الحلّ و العقد، و إن لم يكونوا منتخبين من الأهالي.
و ذلك أن تغيير المنكر في شريعتنا من فروض الكفاية، و فرض الكفاية إذا قام به البعض سقط الطلب به عن الباقين. و إذا تعيّنت للقيام به جماعة صار فرض عين عليهم بالخصوص.
و مجلس النواب المشار إليه موجود في سائر الممالك الأورباويّة ما عدا المملكتين المتقدّم ذكرهما، و له أن يتكلّم بمحضر الوزراء و غيرهم من رجال الدولة بما يظهر له في سيرة الدولة من استحسان و ضدّه، و غير ذلك من المصالح العمومية كما يأتي.
٦٧- حريّة المطبعة:
و بقي وراء ذلك للعامّة شيء آخر يسمّى حريّة المطبعة. و هو أن لا يمنع أحد منهم أن يكتب ما يظهر له من المصالح في الكتب و الجرنالات التي تطّلع عليها العامّة، أو يعرض ذلك على الدولة و المجالس و لو تضمّن الاعتراض على سيرتها.
و في هذا المقدار افترقت الممالك الأورباوية.