أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك - خير الدين التونسي - الصفحة ٣٢ - الأسباب الداعية للتأليف
لكنّنا نعتقد- و الوضع ما بينّا- أنها كانت مسرحية حاك خيوطها الوزير الأكبر بالتعاون مع قنصل فرنسا ليون روش [١٢] و قنصل أنكلترا، ريشاردوود [١٣] و كلاهما يرمي من ورائها إلى توطيد نفوذ بلاده الاقتصادي، الأوّل بحمل الباي على توخي سياسة استقلالية عن الخلافة العثمانية و الثاني بحمل الوزير خزنة دار على الابتعاد عن فرنسا. و آلت التنظيمات في الحقيقة إلى جعل سلطة خزنة دار سلطة مطلقة و ظهور الباي بمظهر الملك الذي ليس له من الملك و السيادة إلّا اللقب.
فأمّا عهد الأمان المحتوي على ١١ قاعدة فإنه بقواعده التاسعة و العاشرة و الحادية عشرة فتح باب البلاد على مصراعيه للهيمنة الاقتصادية الأجنبية:
[القاعدة] التاسعة: تسريح المتجر من اختصاص أحد به، بل يكون مباحا لكلّ أحد و لا تتاجر الدولة بتجارة و لا تمنع غيرها منها و تكون العناية بإعانة عموم المتجر و منع أسباب تعطيله.
العاشرة: إن الوافدين على إيالتنا لهم أن يحترفوا سائر الصنائع و الخدم بشرط أن يتّبعوا القوانين المرتّبة و التي يمكن أن تترتّب، مثل سائر أهل البلاد، لا فضل لأحدهم على الآخر بعد انفصالنا مع دولهم في كيفية دخولهم تحت ذلك كما يأتي بيانه.
الحادية عشرة: إن الوافدين على إيالتنا من سائر أتباع الدول لهم أن يشتروا سائر ما يملك من الدور و الأجنّة و الأراضين مثل سائر أهل البلاد بشرط أن يتّبعوا القوانين المرتّبة و التي تترتّب من غير امتناع و لا فرق في أدنى شيء من
[١٢]Roches (Leon) : قنصل فرنسا بتونس من سنة ١٨٥٥ إلى سنة ١٨٦٣ و اختصّ بالباي و أصبح ألصق به من ظلّه.
[١٣]Wood (Richard) : قنصل أنكلترا بتونس من سنة ١٨٥٥ إلى ١٨٧٩ و اختصّ بالوزير خزنة دار الذي كان ينتصح بإشاراته.