أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك - خير الدين التونسي - الصفحة ٣٥٣ - خاتمة
فمن تأمّل تدرة التفاوت بين هاته الأرقام يظهر له أنّ لخصوص مدينة باريس من الدخل السّنوي ما ليس لكثير من الممالك و لا يتوهّم [١٧٩] أنّ ذلك نتيجة تثقيل الأداء [٩٦] لما أنّ قاعدتهم في توزيعه على وجه لا يضرّ بالأصول المأخوذ منها تمنع ذلك كما تقدّم و إنّما ذلك من تزايد العمران و ثروة السّكان و القليل من الكثير كثير.
خاتمة:
ثمّ إنّ ما تقدّم من الأرقام في بيان ما للأمّة الفرنساوية من الثّروة و ما لدولتها من الدخل و كذا ما سيأتي من البيان لما ذكر في بقية ممالك أوروبا ربّما يستكثره النّاظر الذي لا خبرة له بما كان لمن تقدّم من الأمم من الثّروة و لو تأمّل ما حكاه المقريزيّ في كتابه الخطط [٩٧] عن مجابي مصر زمن الفراعنة و زمن الخلفاء الرّاشدين و ما حكاه أيضا في الكتاب المذكور و حكى ابن بطوطة مثله عن سلطان الهند [٩٨] و ما حكاه ابن خلدون [٩٩] عن مجابي دولة بني العبّاس ببغداد و دولة الأمويّين بالأندلس و ما حكاه غيرهم من جهابذة المؤرّخين ممّا أشرنا إلى بعضه في مقدّمة هذا الكتاب لظهر له صحّة ما نسبناه إلى الأمم الأوروباويّة على أنّه تيسّر للأوروبّاويين من أسباب الثّروة و الغنى ما لم يتيسّر لغيرهم ممّن تقدّم كسهولة المواصلة بين الممالك برّا و بحرا بواسطة الفابورات
[٩٦] تتقبّل الأداء: تلميح إلى السياسة الجبائية التونسيّة المتّبعة في عهد الحسينيين بتونس و خاصة في عهد الوزير الأكبر مصطفى خزنهدار ابتداء من ١٨٣٧ إلى ١٨٦٧ و التي تواصلت إلى إقالته سنة ١٨٧٣.
[٩٧] المقريزي: من كتبه: المواعظ و الاعتبار في ذكر الخطط و الآثار: و يعرف بخطط المقريزي، توفّي سنة ١٤٤١.
[٩٨] ابن بطوطة: (٧٠٣ ه- ٧٧٠ ه- ١٣٠٤ م- ١٣٧٧ م) ولد بطانجة صاحب تحفة النظار في غرائب الأمصار و عجائب الأسفار، دائرة المعارف الإسلامية، صص ٧٥٨- ٧٥٩.
[٩٩] ابن خلدون: ولي الدين عبد الرحمان بن خلدون (٧٣٢- ٨٠٨/ ١٣٣٢- ١٤٠٦) ولد بتونس و توفي بالقاهرة و تقلّب في مناصب سياسية و تعليمية متعدّدة بالمغرب العربي الإسلامي و بالمشرق، صاحب المقدّمة و كتاب العبر.