أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك - خير الدين التونسي - الصفحة ٣٨ - الأسباب الداعية للتأليف
و مواقف خير الدين من الوضع المالي و الاقتصادي للبلاد التونسية ترجع إلى ما أبعد من ١٨٦٢، سنة تخلّيه عن الحكم بل إلى قضيّة محمود ابن عياد سنة ١٨٥٢ عند ما اختلس هذا الأخير، بصفته قابض المال، ما قدره ٦٠ مليون فرنك و كلّف الباي خير الدين بتمثيله بباريس في هذه القضيّة، ذلك أن بن عيّاد تجنّس عند هروبه بالجنسية الفرنسية و بقي خير الدين أربع سنوات بباريس و مثّل تونس في اللجنة التحكيمية التي أشرف عليها نابليون الثالث و حيث أن خزنةدار كان مورّطا مع بن عيّاد فلم يستطع خير الدين الحصول على كلّ الوثائق الضرورية و لم يتمكّن إلّا من استرجاع ٢٤ مليونا فرنكا [٢٧] و قد نشر في هذه النازلة ١٨ مذكّرة باللغة الفرنسية [٢٨].
كذلك كان موقفه و هو بباريس من شأن الاقتراض من فرنسا قصد توفير الإعانة العسكرية التونسية للخلافة العثمانية مدّة حرب القرم(Crimee) فإنّه ماطل و رفض عقد الاقتراض لما يراه- على حدّ تعبير بيرم الخامس- من المضرّة على القطر [٢٩].
يقول ابن أبي الضياف: و هو [أحمد باي] ينتظر خبر القرض الذي وجّه له أمير اللواء خير الدين، و تثاقل خير الدين في ذلك لما رأى فيه من الضرر الفادح في الحال و المآل، و الباي يحرّضه و يغلظ له القول و هو مع ذلك يتثاقل اعتمادا على عقل سيّده [٣٠].
[٢٧] المصدر المذكور، خير الدين رجل دولة، ص ٢٢.
[٢٨] المصدر نفسه، ص ٢١.
[٢٩] بيرم الخامس: صفوة الاعتبار، جII ، ص: ٤٩- ٥٠. إتحاف جIV ، ص: ١٥٦:
«و هو [أحمد باي] يرى أن خير الدين يتساهل في الاقتراض» و أنظر كذلك صفحة ١٨٧: «و كاتبه أبو محمّد خير الدين من باريس في شأن اقتراض المال المأذون فيه من ابن عمّه [أحمد باي و الضمير يعود على المشير الثاني محمد].
فكتب له بأن لا يفعل و قال لي: أكتب له «صبرنا على أنفسنا خير من صبر الناس علينا» بهذا اللفظ و شكر خير الدين في عدم الاستعجال، و العجلة و الندامة فرسا رهان و أنقذ بها البلاد من هاوية».
[٣٠] إتحاف، جV ، ص ١٦٥.