أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك - خير الدين التونسي - الصفحة ١٤١ - عوائق التنظيمات الرعايا الأجانب
و لأقلّ من هذا السبب امتنع بعض الدول الأوروباوية من إطلاق الحرّية المشار إليها، تحاشيا من تحزّب بعض الرعايا على تبديل العائلة الملكية- كما سيأتي بيانه عند الكلام على حرّية أوروبا- فإذا ساغ الامتناع مع كون البدل المتوقّع من جنس المبدل منه، فلأن يسوغ هذا مع كونه من غير الجنس أحرى و أولى.
و أيضا فإنّ رعايا الدولة ينقسمون إلى عدّة أجناس مختلفة الأديان و اللغات و العادات، و غالبهم يجهل اللغة التركية التي هي لغة الدولة، بل يجهلون لغة بعضهم، بحيث تعسر المفاوضة بينهم لو ركّب مجلس من جميع طوائفهم، و لا يتيسّر إعطاء الحرّية للبعض دون البعض، لما ينشأ عن ذلك من الهرج.
فيجب أن تعتبر حالة هؤلاء الرعايا من أعظم العوائق عن تأسيس الحرّية على الوجه المطلوب بالدولة العثمانية.
فمن اعتبر ما أشرنا إليه لا يسوغ له أن يوجّه اللوم على الدولة في توقّفها إلى الآن عن إعطاء الحرّية المطلقة، و تأسيس المجلس المذكور، و إن كان ما ذكرناه لا يرفع عنها وجود الاجتهاد في قطع تلك العوائق التي يكون حسمها- بعون اللّه تعالى- من مآثر خليفة العصر [١١٣] الذي رفع من أعلام العدل ما انتكس و أحيا من رسوم الاستقامة ما اندرس فإنّا بمقتضى ما خوّله اللّه من الحزم الناجح، و الرأي الراجح، نؤمّل أن نرى منه، لا سيّما بعد اطلّاعه على أحوال أوروبا بالعيان، و تطبيقها على ما كان معلوما [٣٧] لديه بالبيان- مزيد العناية بكلّ ما يتيّسر به إطلاق الحرّية على الوجه الأكمل، بإعانة رجال دولته و علمائها المتعاضدين على إنجاح مصالح الدين و الوطن، و العارفين بأسباب التقدّم ما ظهر منها و ما بطن.
[١١٣] خليفة العصر: السلطان عبد العزيز.
أنظر أعلاه: تعليق ١٠٦.