أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك - خير الدين التونسي - الصفحة ٢٠٥ - الدكتاتورية بأوروبا
التي طال ملكها و دام حديث عدلها إلى الآن، و شهد لبعض ملوكها بالعدل سيّدنا الصادق- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- و مثل ما كان لأمّة الرومان التي استولت على غالب جهات المعمور، حتّى كان يقال لها في ذلك الوقت:
«كرسي ممالك الأرض». و مثل ما كان لأمّة اليونان التي لمّا استولى العدوّ على بعض بلدانهم و لزمهم الخروج منها سألوا حكيما لهم: «أين تصلح السكنى؟» فقال لهم: «في بلد تكون الشريعة فيه أقوى من السلطان».
إلى غير ذلك من الأمم التي ما بلغت غاية الاستقامة إلّا باحترام قوانين أحكامها المؤسّسة على العدل السياسي. كما أن عدم احترامها كان منشأ رجوعهم القهقري.
و لا يتوهّم أنّ ذلك بسبب بركة في شرائع الأمم المذكورة، إذ الواقع أنّها قوانين عقلية مبنيّة على مراعاة الوازع الدنيوي.
فإذا انضمّ إلى ذلك وجود البركة و الحرمة الإلهية كما هو حال شريعتنا المطهّرة، كانت [٨٧] المخالفة مع ما تستعقبه من النكال الأخروي أجلب للانحطاط الدنيوي. و من تتّبع تواريخ الأمم المشار إليها و تواريخ الأمّة الإسلامية رأى ذلك عيانا.
٧٤- الدكتاتورية بأوروبا:
هذا و إن الضرورة قد تدعو إلى تفويض إدارة المملكة لشخص واحد مستبدّ لكن لغاية محدودة، و بشروط عندهم معهودة.
و ذلك أنّ من أصول السياسة المأثورة عن الأمّة الرومانية أنّ المملكة إذا اشتدّ الخطر عليها، إمّا بكثرة الإفساد الداخلي، أو بظهور مخائل التغلّب عليها من الخارجي. و صعب حسم موادّ ذلك بالأعمال القانونية، لمكان تعدّد الأنظار المتساوية، و ما عسى يقتضي الترجيح بينها من طول المفاوضة