أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك - خير الدين التونسي - الصفحة ٢٠٤ - مسؤولية الوزراء المباشرين
يلزم لإنجازها كما تقدّم، و منها أن المفسد لا يجد مساغا للقدح في تصرّفات الدولة بقصد التنفير منها، و تغيير القلوب عليها. و منها أن الوالي المستبدّ و لو كان عادلا لا يمكنه الاطّلاع على أحوال مملكته إلّا بواسطة الوزراء و غيرهم من المتوظّفين، الذين أثبتت التجارب أن أكثرهم لا يعرفون الولاة إلّا بما تقتضيه فوائدهم، فيتوصّلون بالنصائح العمومية إلى أغراضهم الشخصية خصوصا من يشير منهم على الملوك بالاستبداد، لما له في ذلك من المعونة على حصول استبداده هو أيضا في مأموريّته.
على أنّه يمكن لنا أن نقول إنّ المأمورين في دولة الاستبداد، كلّ واحد منهم مستبدّ على قدر حال مأموريته، فلهذه الفوائد و نحوها تجشّم الملوك و الوزراء ما في التقييد في مبدإ الأمر من المرارة، نظرا لما يستعقبه من لذّة السطوة و الحضارة.
و قد صحّ حدسهم في ذلك بما لم نزل نشاهده [٨٦] من تقدّمهم في العلوم و الصناعات، و استخراج كنوز الأرض بالزراعة، و البحث عن المعادن، و حصولهم من أمثال هذه المذكورات الناتجة من اتّحاد الراعي و الرّعيّة، على ما قوّى حاميتهم في البرّ و البحر، حتى هابتهم الأمم و استولوا على ممالك كثيرة خارجة عن قسم أوروبا، و نالوا من نفوذ الكلمة في غير ممالكهم ما هو مشاهد، و صاروا في التصرّفات الدنيوية قدوة لغيرهم. و ما ذاك إلّا بإجراء القوانين السياسية، التي مدارها على ما تقتضيه الحريّة المشروحة سابقا، من حفظ حقوق الإنسان في نفسه و عرضه و ماله، و الاتّحاد في جلب المصالح و درء المفاسد، بمراعاة العادات و الأمكنة و الأزمنة التي تعتبر شريعتنا اختلاف أحكامها اعتبارا كليّا.
و لتلك القوانين في الممالك الأوروباوية من الاحترام و استمرار النفوذ برعاية أهل الحلّ و العقد، ما يحمى حقوق الرعيّة و حرّيتها، و يؤمّن الضعيف من بطش القويّ، و يدفع عن المظلوم سلطة الظالم، مثل ما كان لأمّة الفرس