أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك - خير الدين التونسي - الصفحة ٢٧١ - الفصل الأول في تاريخها
ثمّ تمادى على ذلك لويز الثاني عشر الملقّب بابي العامّة [١٢] حتّى أفنى فيها ماله و رجاله. و ممّا يحكى من محاسن هذا الملك أنّه كان من الفرع الثّاني من العائلة الكابيسيانية و كان الملك لابن عمّ له من الفرع الأوّل منها فلمّا مات الملك خلفه ابن له صغير السنّ تحت حجر أحد الأعيان فرأى الملك المشار إليه عدم استقامة الحال و اضطراب أمر المملكة بسبب صغر سنّ الوراث فتحرّك عليه لذلك و تحزّب بجماعة لافتكاك الملك لنفسه حتّى آل الأمر بعد حروب بينه و بين مقدّم الصبيّ إلى القبض عليه و سجنه بسجن حصين. و كان يشدّد مع ذلك عليه و ينزله في مطمورة بالسّجن لئلا يتمكّن من الفرار. هكذا مسجونا حتّى انقرض الفرع الأوّل و لحقته الدّولة.
و لمّا ولى الأمر طلب منه أحزابه أن ينتقم من ذلك المقدّم الذي نكّل به و عذّبه و لمّا ألحّوا عليه في ذلك أجابهم بقوله: «لا يليق بشرف سلطان فرنسا أن يتنازل لأخذ الثّأر على ما وقع لدوك دوأورليان».
فليتأمّل من هذا الجواب الحسن و من همّة هذا الرّجل العالية المنبئة عن كمال المرؤة و المعرفة بمواقع السّياسة و كيف فرّق بين المرتبتين قبل الولاية و بعدها في ذات نفسه. فمن علم منه مثل هذه رآه جديرا بأن يلقّب بأبي العامّة [١٣].
[١٢] أبو العامّة: استعمل خير الدّين في حديثه عن الدّولة العثمانية لفظتي رعايا و أهالي و إن كانت أهالي أكثر تردادا عنده من رعايا و يلاحظ القارئ أن خير الدّين- و هو يتحدث عن فرنسا و غيرها من بلدان أوروبا- قد عوّض هاتين المفردتين بمفردة جديدة هي العامّة و هو توليد للمصطلح القديم و يقابله الخاصّة. و لا نجد ذكرا للفظ شعب عند الطهطاوي و خير الدّين و غيرهما من الرّحالة المومأ إليهم في تحقيقنا هذا.
و قد ورد في التلخيص استعمال لفظ العامّة مرّة واحدة، «ان العامّة بمصر ..» ص ١٠ ثمّ اطّرد عنده استعمال لفظي الأهالي و الرعايا. و كذا الأمر بالنسبة إلى من أتى بعد خير الدين، عدا بيرم الخامس، صفوة الاعتبار،III ، ص ٨٥ و ما بعدها.
[١٣] تعليق شخصي لخير الدّين ينمّ عن معرفة بمواقع السياسة.