أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك - خير الدين التونسي - الصفحة ١٥٢ - الشبهة الثالثة
جواز أن تكون تصرّفات المقدّم خالية من مراعاة مصلحة المقدّم عليه؟
و هل تتيسّر تلك المراعاة بدون توقّع احتساب مؤسّس على الشرع؟
٣٨- الشبهة الثالثة:
و أمّا الشبهة الثالثة فجوابها أنّ التطويل الذي يمكن عروضه في فصل النوازل يرجع إلى قسمين، لأنّه إمّا أن يكون ناشئا عن صعوبة تصوّر النازلة و تعيين ما ينسبق عليها من النصوص المتجاذبة لها، أو يكون ناشئا عن قصور المتوظّفين أو تقصيرهم.
أ) أمّا القسم الأوّل فلا يتشكّى منه إلّا الجاهل أو المتجاهل، و ذلك أن إعطاء النوازل حقّها من التأمّل حتّى يتّضح عند الحاكم وجه الحكم، يستدعي فسحة ضرورية لفهمها على الوجه المطلوب، و تلك الفسحة المتفاوتة بتفاوت النوازل في التّشعب من لوازم البشرية، في حقّ كلّ من الحاكم و المحكوم عليه، إذ الحكم سواء كان مبنيا على القواعد الشرعية أو القوانين العقلية لا يكون حكما معتدّا به إلّا إذا كان مسبوقا بأخذ المحكوم عليه مهلة لتحرير حججه التي يدافع بها عن نفسه، و أخذ الحاكم مثلها لإمعان النظر فيها، و تعيين ما ينطبق من الأصول عليها، فالحاكم إذا نقّص من إحدى المهلتين شيئا فقد ظلم المحكوم عليه و نفسه.
و حيث كان التطويل المشار إليه طبيعيا للنوازل، و ممّا تعاضد على لزومه الشرع و العقل، يسوغ لنا أن نقول إنه لا منشأ للقدح به في التنظيمات إلا إرادة تنفير الأهالي منها، بتحسين ما تعوّدوه من حكّامهم السياسيين الذين كثيرا ما ينشر لديهم من النوازل ما لو نشر لدى أحذق القضاة لاحتاج في تصوّره إلى عدّة أيّام، فيبادرون إلى فصلها في عدّة دقائق بحكم لا يتعقّب، بل لو فرض الترخيص في تعقّبه لما أمكن ذلك، [٤٦] حيث لم يكن الحكم مسجّلا بظهير لأنّ التعقّب يسدعي إستناد الحكم المتعقّب إلى شيء من الأدلّة يمكن اطلاع