أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك - خير الدين التونسي - الصفحة ٣٩ - الأسباب الداعية للتأليف
فنرى إذن أن الداعي القريب الأوّل لتأليف أقوم المسالك و التخلّي عن الحكم هو معارضة خير الدين للباي و لخزنةدار في تطبيق السياسة الاقتصادية التي أدّت إلى هذه الأزمة المالية الممهّدة لاحتلال فرنسي أصبح شبحه يخيّم على البلاد بتقدّم الأيّام.
و لقد أحسن بيرم الخامس تصويرها بأسلوبه الأدبي قائلا: «فلو رأيت ما عليه القرار لملئت رعبا و لولّيت منه الفرار من ذئاب تغتال و ثعالب تحتال مجتهدة في قلب الرحال و تشتيت الرجال و ثعبان ثاغر فاه لابتلاع الأموال فيا لها من حال يرثي لها من رام النزال» [٣١].
٢) رحلات خير الدين إلى أوروبا:
إذن استعفي خير الدين من كلّ مناصبه و سنّه ٤٠ سنة.
يقول ابن أبي الضياف: «و استعفي أبو محمّد خير الدين من وزارة البحر و من رئاسة المجلس الأكبر و أثّر استعفاؤه في العقلاء من أهل الإيالة لأنّه لم يكن من سبب ظاهر في السنّ و لا في البدن إذ هو في أطيب أوقات الشباب» [٣٢].
و اعتكف خير الدين بقصره مدّة خمس سنوات إلى تاريخ صدور أقوم المسالك يستخلص العبر من تجربته للحكم في إطار أساسه الحكم المطلق القهري.
و حيث لم يكن إبعاده عن الحكم إلّا لامتناعه عن الاقتراض من أوروبا فإنّ الباي و خزنةدار لم يبعداه تماما عن الحياة السياسية [٣٣] فكانا يستشيرانه في نطاق المجلس الخاصّ للباي في كبرى القضايا. و منذ إعلان الدستور سنة
[٣١] بيرم الخامس: صفوة الاعتبار، جII ، ص ٣٦.
[٣٢] إتحاف، جV ، ص ٩٦ أنظر أيضا خير الدين رجل دولة، مذكّرات، ص ٢٣.
[٣٣] بل إنّ الصادق باي عرض عليه وزارة الحرب سنة ١٨٦٥، «و قد كان الباي عرض وزارة الحرب على الوزير خير الدين فاعتذر و اختار التخلّي عن المباشرة و قبل اعتذاره»، إتحاف جIV ، ص ٥٤.