أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك - خير الدين التونسي - الصفحة ١٢٨ - شهادة النصارى على ذلك تاريخ دروي
«و أمّا الفلاحة فلا يعلم لهم نظير فيها: إذ ليس لغيرهم ما لهم من الاقتدار على جلب المياه، و توزيعها بلطف في مزارعهم الواسعة تحت شمسهم المحرقة، فسيرتهم في ذلك، السائر بها إلى الآن أهل بلنسية، روضة إسبانيا، صالحة أن نجعلها أسوة نقتدي بها في فلاحتنا الفرنساوية».
«و أمّا الصناعات فإنّ العرب تعلّموا جميعها لمّا دخلوا بلدان الرومانيين العظيمة. حتّى صاروا أحذق أربابها. و كفاهم شهرة في ذلك سلاح طليطلة التي كانت تحت سلطانهم بإسبانيا [٢٧]، و حريريات غرناطة، و الجوخ [٨٧] الأزرق و الأخضر بمدينة كونسة، و السروج و الحروج و الجلود بقرطبة. و كان أهل أوروبا يشترون هذه المهمّات بأعلى ثمن، و يتنافسون فيها مع شدّة نفرتهم من أهلها المخالفين لديانتهم».
«و بالجملة فقد بلغت إسبانيا من العمران إلى هذه الشهرة، في القرون الأولى من مدّة الخلفاء! حيث كانت الفتن عنها أسكن من المشرق. و قد تزايد نموّ سكّانها إلى أن صار بمدينة قرطبة وحدها نحو مائتي ألف (٠٠٠. ٢٠٠) دار، و ستمائة (٦٠٠) جامع، و خمسين (٥٠) مارستانا، و ثمانين (٨٠) مكتبا عموميا، و تسعمائة (٩٠٠) حمّام، و مليون (٠٠٠. ٠٠٠. ١) نفس».
«فهاك برنامجا إجماليا للتمدّن الذي نشره العرب من شاطئ تاج [٨٨] و هو واد كبير بإسبانيا إلى وادي هندوس بالهند تمدّنا يكاد يخطف نوره الأبصار، و لكنّه لسرعة نموّه كان معرّضا للعطب».
قال: «و تمدّن أوروبا اليوم كان أبطأ في النموّ، و لكنّهم حصلوا بعد انقلابات و كسوفات على ما يمكن به طول البقاء المعتاد في كلّ بطيء النموّ».
[٨٧] الجوخ: فارسية) نسيج من الصوف.
[٨٨] تاج: (Le tage) و هو أطول نهر (١٠٠٦ كلم) يبدأ من إسبانيا و يعبر البرتغال و يمتدّ إلى المحيط الأطلسي و هو يختلف عن الوادي الكبير:(Guadalquivir) .