أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك - خير الدين التونسي - الصفحة ١٩١ - الحرية الشخصية
أحرى و أولى، لأنّ السبب في الحالة الأولى دائر بين الجهل و التجاهل، و كلاهما أمر عارض تمكن إزالته بتبديل المباشرين، أو إرشاد جاهلهم و إلزام متجاهلهم بالجريان على الأصول المحفوظة. أمّا إذا لم يوجد من تلك الأصول شيء يرجع إليه، و سند مضبوط يقع التّعويل عند الاشتباه عليه، فإنّ هاته الحالة يتّسع فيها مجال الأغراض و الشهوات من الآمر و المأمور، و ربّما يؤول أمر الدولة إلى الاضمحلال و الدثور، (وَ لِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ) [٢٨٨].
هذا و لمّا تضمّن ما أوردناه في هذا المجال الإشارة إلى أنّ الحرّية هي منشأ سعة نطاق العرفان و التمدّن بالممالك الأوروباوية، رأينا من المتأكّد بيان معنى الحرّية عرفا لدفع ما عسى أن يقع من الالتباس فيها.
٦٥- الحرّية الشخصية:
فنقول: إن لفظ الحرّية يطلق في عرفهم بإزاء معنيين.
أحدهما يسمّى الحريّة الشخصية، و هو إطلاق تصرّف الإنسان في ذاته و كسبه، مع أمنه على نفسه و عرضه و ماله، و مساواته لأبناء جنسه لدى الحكم، بحيث إن الإنسان لا يخشى هضمية في ذاته و لا في سائر حقوقه، و لا يحكم عليه بشيء لا تقتضيه قوانين البلاد المتقرّرة لدى المجالس.
و بالجملة فالقوانين تقيّد الرعاة كما تقيّد الرعيّة. و الحريّة بهذا المعنى موجودة في جميع الدول الأورباوية إلّا في الدولة البابوية و الدولة المسكوبية [٢٨٩] لأنهما مستبدّتان، و هما و إن كانتا ذواتي أحكام مقرّرة إلّا أنّها غير كافية لحفظ حقوق الأمّة لانّ نفوذها موقوف على إرادة الملك.
[٢٨٨] القرآن الكريم، سورة الحج، الآية: ٤١.
[٢٨٩] المسكوبية: نسبة إلى موسكو:Moscovite .