أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك - خير الدين التونسي - الصفحة ٢٠٣ - مسؤولية الوزراء المباشرين
فيبقى الوزراء على خططهم، و أمّا إذا انتخبوا الأوّلين أو من يكون مثلهم في الشدّة، فيستدلّ بذلك على عدم رضاهم بها، و يجب حينئذ خروج الوزراء من الخدمة و تعويضهم بمن سياسته ترضي المجلس. و للمجلس المذكور أن يدّعي الخيانة على أحد الوزراء أو مجموعهم إذا رأى أدلّة ذلك، و تكون نازلة تفصل بالمجلس الأعلى. و ظاهر أن الوزراء المشار إليهم كما تشدّد عليهم القوانين المسؤولية عن تصرّفاتهم تمنع التعدّي عليهم في النفس و العرض و المال، فيتيسّر للنجيب الأمين منهم إجراء الأمور على مواقع المصلحة، و الفوز بما يستعقبه ذلك من جميل الثناء. و لمن اتّصف بالأمانة دون النجابة الخروج بالسّلامة لا له و لا عليه.
و بما تقدّم يعلم أنّ سلطة المجلسين تتّحد تارة و تفترق أخرى، إذ لكلّ منهما أعمال تخصّه و أعمال يشارك فيها الآخر، غير أنّ المعتبر في تأسيس القوانين سيّما المتعلّقة بالمجابي، و القوّة العسكريّة، و في الاحتساب على الدولة، و استحسان سياسية الوزراء [٨٥] و ضدّه اللذين ينبني عليهما خروجهم أو بقاؤهم في الخطّة، هو ما يتّفق عليه غالب مجلس الوكلاء حسبما أشير إليه قريبا. كما أنّ إجراء القوانين المذكورة يتوقّف على موافقة المجلس الأعلى على كونها غير مخالفة لأصول الكونستيتوسيون.
قلت فبتقرير ما ذكر يعلم أيضا أن صاحب الدولة عندهم مضطرّ إلى موافقة إرادة المجلس، التي هي في الحقيقة إرادة أهل المملكة، و لا يخفى ما يتبادر فيه من التشديدات التي تأباها نفوس غير المنصفين من الأمراء و الوزراء، لكن من بخت الأمم الأوروباوية، و نجاح مساعيها الدنيوية، أن عرف ملوكها و وزراؤها ما ينشأ عن ذلك من الفوائد الجمّة التي منها كفّ أيدي المأمورين عن التعدّي على الرعيّة، و منها سهولة اعتبار المكاسب في توزيع الأداء على الأهالي بحيث لا ينقص من رؤوس أموالهم، إذ لا يتمّ مع ذلك نموّ العمران.
و منها أن الرعايا إذا وافق وكلاؤها على أصل المصلحة فإنّها لا تشحّ بإعطاء ما