أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك - خير الدين التونسي - الصفحة ٢٠٧ - الخاتمة
منصب الدكتتور، و تتعرّف به العامّة بقصد إخماد الحيرة، و تخليص المملكة من مواقع الخطر، و استصلاح حالها بتهذيب جفاة الأهالي و تقويم إعوجاجهم.
لكنّهم لا يحصلون غالبا على هذا المقصود بل يتوصّل المنتصب بذلك إلى اغتنام الفرصة لاستمرار استبداده، إمّا لاستمرار أسباب الحيرة و ضعفه عن إزالتها، و إمّا لكون المنتصب أزالها بحسن تدبيره وقع من الأهالي موقع الإعجاب، حتّى اكتسب بذلك مزيد احترام عندهم أسّس عليه سلطته، و إيثار نفوذ إرادته على إجراء قوانين المملكة، مرجّحا بذلك حظّ نفسه على المصالح العامّة.
لكنّ ذلك مع ما يفضي إليه من المضارّ الاستبدادية، لا ينكر أن المصير إليه واجب عند قيام سببه لاستبقاء راحة المملكة، كما يشير إليه قول الحكيم مونتسكيو الفرنساوي: «إنّا بمقتضى ما نسمعه من أعمال الأمم التي كانت حاصلة على الحريّة التامّة، نرى أنّ الحال قد يقتضي إرخاء الستر على الحرّية إرخاء وقتيّا».
قلت: و حيث كان التفويض المشار إليه إنّما ساغ للضّرورة، و ما أبيح للضّرورة يتقدّر بقدرها، فلا جرم يجب الروجوع إلى كشف حجب الحرّية بعد زوال السبب [٣٠٥].
٧٥- الخاتمة:
هذا و قد قرّرنا في هذه المقدّمة من الأدّلة الناهضة الواضحة على ما في التصرّفات السياسية المضبوطة بالتنظيمات من المصالح العامّة و الخاصّة، التي يشهد العيان بآثارها الناجحة في الممالك، و ما في التصرّفات السياسية الغير المضبوطة بها من المضارّ الفادحة، ما [٨٩] تقرّ به عين النصوح المحبّ لخير الوطن.
[٣٠٥] أنظر أعلاه ما قاله عن الحرّية و احترازه في منحها ما لم تتوفّر الظروف المناسبة، فقرة ٣٧.