أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك - خير الدين التونسي - الصفحة ١٠٤ - الاسوة الأوروبية تقدم الغرب حديث و أساسه العدل و العلوم
أربعمائة و ست و سبعين [٤٧٦] مسيحية على أفظع حال من التوحّش و الاعتداء و الجور، آخذة في حركة السقوط التي هي أسرع من الصعود طبعا. و لم تزل في ربقة الرقّ لملوكها و كبراء الأمم الجائرة المسمّين بالنوبليس إلى زمن ولاية الأمبراطور شرلمان [٢٩] ملك فرنسا و معظم ممالك أوروبا سنة سبعمائة و ثمان و ستين (٧٦٨ م.). فبذل غاية جهده في إصلاح حال النّاس بسعيه في تنمية المعارف و غيرها. ثمّ بعد وفاته رجعت إلى غياهب جهالتها و ظلم ولاتها- كما يأتي تفصيله.
و لا يتوهّم أنّ أهلها وصلوا إلى ما وصلوا إليه بمزيد خصب أو اعتدال في أقاليمهم [٣٠]، إذ قد يوجد في أقسام الكرة ما هو مثلها أو أحسن، و لا أنّ ذلك من آثار دياناتهم، إذ الديانة النصرانية و لو كانت تحثّ على إجراء العدل و المساواة لدى الحكم، لكنّها لا تتداخل في التصرّفات السياسيّة، لأنها تأسّست على التبتّل و الزهد في الدنيا، حتّى أنّ عيسى- ٧- كان ينهى أصحابه عن التّعرّض لملوك الدنيا فيما يتعلّق بسياسة أحوالها، قائلا: «إنّه ليس له ملك في هذه الدنيا» لأنّ سلطان شريعته على الأرواح دون الأشباح.
[٢٩] شارلمان:Charlemagne أو شارل الأول الكبير (٧٤٢- ٨١٤) ملك فرنسا (٧٦٨- ٨١٤) و امبراطور العرب (٨٠٠- ٨١٤) من المناضلين في سبيل نشر النصرانية، أخفق في إقتكاك الأندلس من أيدي المسلمين و أقام في آخر حياته علاقات تجارية و ودية مع الشرق و خاصّة مع هارون الرشيد العباسي.
استأنف خير الدين الحديث عن هذا الملك في باب التمدّن الأوروباوي.
[٣٠] ان المطالع لمقدّمة أقوم المسالك يلاحظ شدّة تأثّر خير الدين بمقدّمة ابن خلدون إلّا أنّه هنا لا يسعه إلّا أن يلاحظ ردّه عليه- و ان لم يصرّح باسمه- فيما ذهب إليه من تأثير الهواء و الأقاليم على طباع البشر و تقرير نوع عمرانهم أنظر: ابن خلدون: المقدمة ط.
٣، دار الكتب اللبنانية، بيروت ١٩٦٧، صص ١٤١- ١٥٠.