أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك - خير الدين التونسي - الصفحة ١٥٣ - الشبهة الثالثة
المتعقّب عليه، بحيث يجد محلّا للتخطئة في تنزيل الحكم أو نحو ذلك، إذا كان الحكم مسجّلا. و ما يصدر من هؤلاء حكم شفاهي غير معلّل باستناده إلى شيء في الخارج، فهو لا يخلو إمّا أن يكون أمرا اتّفاقيا بحسب ما يسنح لأحدهم في ذلك الوقت، و لذلك ترى كثيرا من النّوازل متّفقة في المعنى و أحكامها مختلفة، أو مستندا إلى دليل لا يتجاوز صدر ذلك الحاكم، فلا يمكن الاطّلاع عليه. و في الحالتين لا يمكن التعقيب.
ثمّ إنّا لا ننكر أن يقع في ابتداء العمل بالتنظيمات شيء من التطويل زائد على المقدار الطبيعي، ناشئ عن عدم التّعوّد بها و التّمرّن عليها، لكن نرى الخطب في ذلك سهلا، لأنّه ممّا يزول بإعانة اللّه في أقرب وقت، عند حصول ملكة التجريب و تخفيف أعمال الحكّام في الأحكام الخفيفة ارتكابا لأخفّ الضررين، و تحريض الدولة سائر متوظّفي السياسة على المبادرة بإتمام مأموريتهم بجلب المدّعى عليه، و نحو ذلك ممّا تتوقّف عليه الأحكام حتّى لا يبقى من أسباب التطويل إلّا ما يستدعيه حال النازلة.
على أنّا نقول- تنازلا مع هؤلاء المنفّرين- إن الغرض من التنظيمات ليس محصورا في فصل النوازل الشخصية على وجه الإنصاف المأمول منها، بل هناك مصالح أخرى من أهمّها ضبط كلّيات السياسة القابض لأيدي الولاة عن الجور، فأين مضرّة التطويل في النوازل الجزئية من مضرّة إطلاق أيدي أولئك الولاة في التصرّف في الأبدان و الأعراض و الأموال؟
فهذه الشّبهة على فرض نهوضها لا تنتج إلّا تعطيل مجالس النوازل الشخصية.
أمّا ضبط أصول السياسة الذي هو أساس خير المملكة فلا نظنّ دليلا ينهض على تعطيله بوجه من الوجوه.
ب) و أمّا القسم الثاني فظاهر أنّه لا يقدح به في حسن [٤٧] التنظيمات في نفسها، و إنّما يتوجّه التشكّي من مضرّته على الدول حيث لم تمعن النظر في أحوال المتوظّفين و تمتحنهم بمزيد المراقبة و التجربة.