أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك - خير الدين التونسي - الصفحة ١٠٨ - ضرورة الوازع و وجوب تغيير المنكر من قبل أهل الحل و العقد
منهما لا يدافع عن حقوقه إن انتهكت، فلذلك وجب على علماء الأمّة و أعيان رجالها تغيير المنكرات [٣٦].
و نصب الأوروباويون المجالس و حرّروا المطابع فالمغيّرون للمنكر في الأمّة الإسلامية تتّقيهم الملوك كما تتّقي ملوك أوروبا المجالس و آراء العامّة الناشئة عنها و عن حريّة المطابع. و مقصود الفريقين واحد و هو الاحتساب على الدولة لتكون سيرتها مستقيمة و إن اختلفت الطرق الموصلة إلى ذلك.
و ما ذكرناه أشار إليه ابن خلدون في فصل الإمامة من مقدّمته حيث قال:
«إنّ الملك، لما كان عبارة عن المجتمع الضروري للبشر و مقتضاه التغلّب و القهر اللذان هما من آثار القوّة الغضبية المركبة في الإنسان. كانت أحكام صاحبه في الغالب حائدة عن الحقّ، مجحفة بمن تحته من الخلق، لحمله إيّاهم في الغالب على ما ليس في طوقهم من شهواته، فتعسر طاعته لذلك، و تجيء العصبية المفضية إلى الهرج و القتل. فوجب أن يرجع إلى أحكامها.
كما كان سياسة مفروضة يسلّمها الكافّة و ينقادون إلى أحكامها. كما كان ذلك للفرس و غيرهم من الأمم. و إذا خلت الدولة عن مثل هذه السياسة لم يستقم أمرها، و لا يتمّ استيلاؤها. فإذا كانت هذه القوانين مفروضة من العقلاء و أكابر الدولة و بصرائها، كانت سياسة عقلية. و إذا كان فرضها من اللّه تعالى بشارع يقرّرها، كانت سياسة دينية نافعة في الدنيا و الآخرة». آنتهى [٣٧].
قلت: و النفع المذكور إنّما يكون تامّا ببقائها محترمة، بصونها و الذبّ عن حوزتها بمثل الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر كما أشرنا إليه.
[٣٦] تغيير المنكرات: أنظر أحمد عبد السلام: دراسات في مصطلح السياسة عند العرب، (المصطلح السياسي عند خير الدين مقارنة بابن خلدون، متفرّقات).
[٣٧] ابن خلدون، المقدّمة، الباب الثالث، الفصل الخامس و العشرون في معنى الخلافة و الإمامة، ٣٣٦- ٣٣٧ مع الإشارة إلى أن استشهاد خير الدين لا يطابق تماما ما ورد في المقدمة.