أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك - خير الدين التونسي - الصفحة ١٠٢ - جوهر القضية وجوب اعتماد التنظيمات
٧- جوهر القضيّة: وجوب اعتماد التنظيمات:
و لا سبب لما ذكرناه إلّا تقدّم الإفرنج في المعارف الناتجة عن التنظيمات المؤسّسة على العدل و الحريّة. فكيف يسوغ للعاقل حرمان نفسه ممّا هو مستحسن في ذاته و يستسهل الامتناع عمّا به قوام نفعه بمجرّد أوهام خيالية و احتياط في غير محلّه؟
و ممّا يحسن سوقه هنا قول بعض المؤلّفين [٢٢] من الأوروباويين في السياسات الحربية: «إنّ الممالك التي لا تنسج على منوال مجاوريها فيما يستحدثونه من الآلات الحربية و التراتيب العسكرية يوشك أن تكون غنيمة لهم و لو بعد حين».
و خصّ التراتيب الحربيّة لأنها موضوع كتابه، فالواجب مجاراة الجار في كلّ ما هو مظنّة لتقدّمه، سواء كان من الأمور العسكرية أو من غيره.
و ممّا يؤيّد ما قرّرناه قوله- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- لعاصم بن ثابت [٢٣] من حديث: من قاتل فليقاتل كما يقاتل» [٢٤].
و يوضّح معناه ما تضمّنته وصيّة الصديق لخالد بن الوليد [٢٥]- رضي اللّه عنهما- حين بعثه لقتال المرتدّين، فقال: «يا خالد عليك بتقوى اللّه و الرفق
[٢٢] بعض المؤلّفين من الأوروباويين: دليل آخر على ما لخير الدين من حذق سياسي فهو يستشهد ببعض المؤلّفين الأوروباويين على الخطر الداهم من قبل أوروبا و فرنسا على العالم الإسلامي (و تونس خاصّة). ماقلي مرسي، المرجع نفسه، ٩٠، تعليق عدد ٢٩.
[٢٣] عاصم بن ثابت: (م. ٤/ ٦٢٥) الأنصاري الأوسي- صحابي من السابقين من الأنصار- شهد بدرا و أحدا مع الرسول و استشهد يوم الرجيع.
الزركلي، الأعلام،IV ، ١٢.
[٢٤] حديث نبوي شريف.
[٢٥] خالد بن الوليد القرشي (م. ٢١/ ٦٤٢)، سيف اللّه الفاتح الكبير، كان من أشراف قريش و أسلم قبل فتح مكّة، ولّاه الرسول رئاسة الخيل في الجيش و لمّا ولي أبو بكر وجّهه لقتال المرتدين ثمّ سيّره إلى العراق ففتح الحيرة إلى الشام. و عزله عمر. كان مظفرا خطيبا فصيحا.
الزركلي، الأعلام،VI ، ٢٤١- ٢٤٢.