أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك - خير الدين التونسي - الصفحة ٢٠٠ - التنظيمات بأوروبا
ما يحصل لتجّار تلك المملكة من الأموال الغزيرة، الناشئة عن معاملة ملايين من النفوس الأجانب الوافدين عليها لذلك. و إدارة هذه المجامع، و تعيين المنازل لأرباب الصنائع و البضائع، و تعيين من يستحقّ الجزاء و نحو ذلك موكولة لنظر مجلس مرؤوس بأمير من البيت الملكي إظهارا لمزيد الاعتبار.
٧٢- التنظيمات بأوروبا:
و قد آن أن نبيّن أصول تنظيماتهم السياسية، التي هي أساس التمدّن [٨٢] و الثروة المشار إلى بعض آثارهما آنفا، فنقول:
إعلم أنّ الأمم الأوروباوية لمّا ثبت عندهم بالتجارب أن إطلاق أيدي الملوك و رجال دولهم، بالتصرّف في سياسة المملكة دون قيد، مجلبة للظلم الناشئ عنه خراب الممالك، حسبما تحقّقوا ذلك بالاطّلاع على أسباب التقدّم و التأخّر في الأمم الماضية، جزموا بلزوم مشاركة أهل الحلّ و العقد الآتي بيانهم، في كلّيات السياسة، مع جعل المسؤولية في إدارة المملكة على الوزراء المباشرين [٢٩٩]، و بلزوم تأسيس القوانين المتنوّعة عندهم إلى نوعين:
أحدهما قوانين الحقوق المرعية بين الدولة و الرّعيّة و الثاني قوانين حقوق الأهالي فيما بينهم.
فمرجع الأوّل معرفة ما لصاحب الدولة و ما عليه، و يندرج تحته أمور منها: حرّية العامّة الكافلة بضمانة حقوقهم، و منها تعيين أصول تصرّفات الدولة جمهورية أو وراثية، كتنفيذ القوانين الحكمية، و إدارة السياسة الداخلية و الخارجية، كعمل الحرب و عقد شروط الصلح و التجارة، و تعيين من لم تكن وظيفته مؤبّدة (و إنّما عبّرنا بالتأخير لأنّ عزل المتوظّف عن الخطّة التي أفنى أطيب عمره في خدمة المملكة لنيلها، عزلا يقتضي طرحه من خدمتها بالمرّة،
[٢٩٩] يجدر التذكير بأنّ خير الدين تقلّد خطّة «وزير مباشر» من ١٨٧٠ إلى تقلّده الوزارة الكبرى سنة ١٨٧٣.